الخميس، 30 سبتمبر 2010

رواية ليالي الرقص في الجزيرة

صدور رواية ( ليالي الرقص في الجزيرة ) لمحمد عبد الله الهادي
ــــــــــــــــ
عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدر الجزء الأول من ثلاثية ( ليالي الرقص في الجزيرة ) للروائي محمد عبد الله الهادي بعنوان ( العبــد ) في 328 صفحة من القطع الكبير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليالي الرقص باتحاد كتاب الشرقية
( مناقشة رواية ليالي الرقص بالجزيرة لمحمد عبد الله الهادي )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قدم د . محمد غنيم للندوة بأن عرَّف الناقد د . عزت جاد بأنه شاعر راسخ وناقد متميز ، كما تحدث عن المؤلف من حيث مشروعه الروائي الذي يرتكز علي المكان / قرية ( جزيرة مطاوع ) جغرافيا وتاريخياً ، وينطلق منه معبرا عن مصر كلها ..
ثم طرح الناقد د . عزت جاد ورقته النقدية المعنونة بـ ( إستراتيجية البناء الروائي في ليالي الرقص في الجزيرة ) ، وعبر عن سعادته بهذه الليلة الجميلة ( كليالي الجزيرة ) ، وقال إن الرواية ممتعة، لكن قراءته النقدية الصارمة لها أفقدته بعض هذه المتعة .
ثم أشار للإبداع الروائي بصفة عامة ، واستشهد بمقولة للدكتور أحمد درويش حول الروائية والسيرة الذاتية والاغتراب ، وأن المبدعين شاءوا أم أبوا فإنهم يكتبون شيئاً من سيرتهم لأنهم في الغالب يكتبون عما يعرفونه أو يعايشونه أو عما هم قريبون منه .. أو مسار آخر للسيرة يتفق معها أو ضدها . نجيب محفوظ يكتب عن أشياء يعرفها ويرصدها من داخله ، وتهيمن السيرة علي معظم رواياته ، والكاتب عندما ينجح في تركيز نقاط الضوء علي المغزى من هذه السيرة أو الحياتية الموغلة في الإنسانية فإنه بنفس القدر يكتب عن سيرتنا نحن القراء .. بمعنى أنني وأنا أقرأ فإنني أقرأ ذاتي بالعمل الأدبي . ثم تطرق للمدارس الأدبية تاريخياً ، وقال إن ليالي الرقص في الجزيرة تنطلق من مكان يتميز بخصوصية ( كتلة بشرية ـ جفرافية ـ تاريخية ) ، وليالي الرقص رغم تعددها بالعمل إلا أنني أراها رقص واحد في المجمل ، والبنية مستقيمة وقائمة بذاتها ، والليل يستدعى بالضرورة النهار ، أي اليوم والأيام .. وهكذا ، والرقص هو تفاعل مع الحياة وليس بالمفهوم الضيق للمعنى .
وقال إن السرد في العمل يبدأ بالراوي بكفاءة عالية إلا في الفصل الرابع الخاص بالضابط ناجي فإنه يبدأ بضمير المخاطب ، كما يتميز الحكي بالتفاصيل الصغيرة الدالة التي تدل علي الوعي المعرفي العالي بمفردات بيئة العمل ، كما يكون السارد أحيانا كالكاميرا الزووم التي تطل علي المشهد من أعلى ثم تقترب رويدا رويدا حتى تصل بنا بالتركيز علي ما يريده السارد ، وبالتالي تخفف وتنوع من الأدوات الوصفية فلا يشعر المتلقي بالملل ، كما يمتاز السرد بالتكثيف أو التجريد خاصة في المشاهد الإنسانية العالية أو الساخنة ، لكنه لم يفلت أحيانا من مجانية البنية عند التطرق للتاريخ، ذلك أن إيمانه مطلق بالواقع ، وأن أهم شخصيتين توقف أمامهما بالعمل هما ( شبيب ) و ( العبد ) ، شخصيتان تستشفان بالسرد . واللغة خاصة بناس الرواية من حيث الألفاظ والتراكيب ، وأن الكاتب بلغ الذروة في وصفه لمشهد الرقصة الأولى بالرواية حيث وصل به لحالة فائقة من الترميز ، مع توظيف موفق للفولكلور الشعبي .. صف الرجال والراقصة والحداء البدوي .. ألخ .. كما يمتاز بثرائه بصنوف متعددة من التقنيات الموظفة جيداً بلا تكلف في لحظة زمنية بعينها مع سرعة الإيقاع وتنوع المشاهد .. وكسر المألوف في الفن أمر جيد بالقطع طالما أنه لا يحدث تصدعا في البناء .. وإذا كان الراوي قد بدأ الرواية برقصة فإنه أنهاها برقصة من خلال بنية حدثية واقعية منسجمة مع زمانها ومكانها وتنفتح علي أفق واسع .
وكانت هناك مداخلات منها مداخلة للدكتور صلاح غراب الذي قال إن الرواية لا تتحدث عن جزيرة مطاوع ولكنها تتحدث عن مصر كلها ، فالرقص مطلق الحركة والاضطراب والسير .. فالرقص كلمة عامة وشاملة : رقص العبد علي الشجرة .. رقص عساكر النقطة .. رقص لطيفة .. رقص شبيب وهو يقص الأثر ..
كما تمتاز الرواية بأبعاد ثلاثة ( جغرافي وتاريخي واجتماعي ) فالجغرافيا قائمة والتاريخ ملازم للسرد في الواقع الاجتماعي المعبر عن الناس بعاداتهم وتقاليدهم : العبد يصنع البطولة ليكون كعنترة ، وشبيب بمعرفته الفطرية .. وغيرها من الأمثلة .
ثم تحدث الروائي بهي الدين عوض في مداخلته عن الشكل الروائي للعمل من حيث المكان والزمان والحدث والشخوص ، وإنه مازال الشكل الذي يتحدى كل المدارس الحديثة ويعطي مساحة كبيرة للتعبير والتجسيد التي هي هنا واضحة بثقافة المبدع : زراعيا وتاريخيا .. ألخ .. كما يمتاز السرد بالمد والجزر كأمواج البحر .. بمعنى الأحداث العامة عندما تتشكل لتقود لحدث فرد .. كذلك وضوح البطولة الثنائية المتعددة .. رجل وامرأة .. ثم الجنس كمعادل موضوعي موظف بحرفية في العمل . و( شبيب ) من أجمل شخصيات العمل ، وتساءل لماذا ركز العمل علي القبائل العربية فقط بالجزيرة رغم تنوع سكانها ، كما أن العمل يتميز أيضا بشكلين أحدهما ظاهري والآخر غير ذلك .. فما هو واضح وظاهر إنما يخفي خلفه شيئاً آخر كالعبودية والطبقية مثلاً .
وتحدث الروائي صلاح والي عن الدلتا المصرية بتنوع وثراء سكانها ومن حق الكاتب أن يختار أي شريحة ليكتب عنها .. المهم ماهي الكتابة التي جاء بها ، وأشار إنه لا يوجد شيء اسمه الواقعية السحرية بل هناك واقعية عجائبية ، واختلف معه الشاعر يحيى عبدالستار متحدثا عن مصطلح
Magic realism خاصة في كتابات أمريكا اللاتينية .
وتحدث القاص إبراهيم عطية عن الفوارق بين المجتمعات البدوية والريفية والتنافر بينهما وأشار لعمل يتناول الشرطة في رواية كاملة وهو ( يوميات ضابط في الأرياف ) لحمدي البطران .. وتساءل عن الفرق بين مجانية البنية ومجانية النقد ؟
وتحدث الروائي والناقد العربي عبد الوهاب عن الرقص في العمل كبنية حركية تحرك البنية السكونية للمكان والوصف الذي تراجع أمام الشكل التقني ( الفعل ) وقال إن العمل لا يحتفي بالواقعية في حد ذاتها لكنه يحتفي بواقعية الفن ، وإن ما سماه الناقد بمجانية البنية يسميه هو البنية المتسعة في العمل الذي هو جزء أول ، ستتلوه أجزاء أخرى ، كما إنه قال إنني وأنا أقرأ العمل تذكرت عملا آخر بنفس الحجم هو نهر من السماء لفتحي إمبابي .
وتحدث يحيى عبد الستار حول حرية الأديب فيما يكتب وإنه ليس للنقد أن يتدخل بتوجيه الكاتب لأن الرواية كبناء متسع تختلف عن القصة القصيرة .
ثم تحدث مجدي جعفر عن إن الرواية مهمومة في المقام الأول بمسألة الهوية المصرية ، وهي مسألة تؤرق الكاتب المصري الذي ينمو في بيئة بها تنوع في الزخم الحضاري بدءا من الفرعونية وانتهاءً بالعربية .
وأخيرا رد الدكتور عزت جاد علي التساؤلات الخاصة بالواقعية السحرية وغيرها من التساؤلات
ثم تحدث المؤلف محمد عبد الله الهادي عن العمل كونه الجزء الأول ( العبد ) والعلاقة بين البدو والفلاحين في جزيرة مطاوع ، وأنه مع اكتمال العمل إن شاء الله سيكون قد تناول كل الشخوص بالمكان ، وإنه يرى الجنس بالعمل معادلا للحياة .
ثم أنهى د . غنيم الندوة بمداخلة تحدث فيها عن دور الضابط ناجي في العمل كونه مع الصول نعيم وعساكر النقطة يمثلون السلطة في ذلك الوقت ، وأن الانفصال بين السلطة والقاعدة جاء مع الصفعة الشهيرة بالعمل .
......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(جزء من الرواية)
مدخل إلي الجــزيرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"
إنّـه لمنظر بهيـج أن نرى النـيل يمـر فوق الحقول وتختفي الأرض المنخفضة ، وتقع الأودية الصغـيرة تحت سطح المـاء ، وتبرز المدن كالجُـزر ، ما من مواصـلات ممكنة عبـر هذا البحـر الداخلي إلاَّ بالقـوارب " .ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"
أحـد الفلاسـفة "



مفتتـح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طلب " العبـدُ " الإذن له من الشيخ " عوَّاد السوالمي" في الصعُود فوق سطح زريبته الواقعة خلف داره . آنئذ ، كان الليلُ القادم يهبط بهدوء ، ويتسلل بخفَّة في كل أرجاء الجزيرة . هرشَ الشيخ " عوَّاد " لحيته المشعَّثة بالسواد والبياض وأذن لـه ، بأن هزَّ رأسه من أعلى لأسفل علامة الموافقة . ومن تجويف بركن الحائط ، مدَّ الشيخُ يدَه ورفع البندقية " الميزر" وناولها إيَّـاه . عندما كانت عينا " العبـد " تبرقان في العتمة ببريق السعادة ، وتبين أسنانه البيضاء ، كانتْ يداه تتحسسان البندقية ، وتختبران أجزاءها ، بشعور يمتزج فيه الإحساس بالخشوع والحب والظفر : بندقية الشيخ التي لا يأتمن عليها أحداً من أولاده الذين من صلبه ، هاهو يُعطيها لـه برضا ، مانحاً إيَّاه شهادة ثقة ، موقعاً عليها من كل أفراد السوالمة للقيام بالمهمة التي فشل في إنجازها الجميع من قبـل .. كان " العبـدُ " يفكر بشرود عندما ألقى الشيخ في حِجره بأظرف الطلقات .. طلع " العبدُ " ـ بعد أن شرب من يد الولد الأكبر القهوة المُرَّة عدّة مرّات ـ للسقف ، لبـد بين أكوام القش مقرفصاً وانتظر ، روَّض نفسه متحلياً بالصبر ، ومتدثراً بظلمة آخر الشهر العربي حالكة السواد . مرَّ الوقت بطيئاً وثقيلاً . لكنّه ظلَّ يقظاً ، لم يمنح أنجم الليل الساهرة معه الفرصة المواتية ، كي تأخذ نفسه للهواجس والأفكار ، أو تدع عقله يتشتتْ بين أمواج الظلام ، فتضيع الفرصة التي ينتظرها . لم يعرف الوقت بالتحديد عندما رآها تتهادى في العتمة ، تقترب كتلتها الشبحية التي بلا معالم ، من جذع شجرة الكافور الطالعة بجوار حائط الزريبة ، نشَّن بدقّة قنَّاص ، ضغط بإصبعه الزناد ، وأطلق عليها عيارين متتاليين في لحظةٍ ، فأصابها في مقتل . ارتطمتْ بقوَّة بالجذع . سمعها تئن أنيناً مروعاً أفـزع الجزيرة وأيقظ ناسها . ظلَّت للحظات تترنح دائخةً تبحث عن صيَّادها الماكر ، تودُّ رؤيته فلم تره ، فقد كان " العبـدُ " والسقف بلون الليـل ..أخيراً خـرَّتْ صريعةً فوق الأرض يتفجر منها الدم . هذه اللبؤة التي دوَّختْ ناس الجزيرة لأشهر طوال ، وجعلتهم يرسلُون في أثرها فرسانهم يتعقبونها ، فلم يتمكنوا جميعاً منها ، وباءتْ محاولاتهم بالفشل المرَّة تلو الأخرى ، كانت قد افترستْ حتى لحظتها الأخيرة هذه ، من دواب السوالمة فقط : عشر عنزات وخروفين . هذا العام أطلقت عليه الجزيرة اسم : " عام اللبؤة " . عام اللبؤة هذا كان عـاماً عظيمـاً : تبرع فيه " صالح أبو جمعان " بنصف بيته الطيني للحكومة ، حيث وضعتْ علي بابه يافطة ، تقول بالخط الثـلث :
"
مدرسة جزيرة مطاوع الابتدائية " .. وكان شيئاً طريفاً ، وقتئـذ ، افتتاح هذه المدرسة ، ومن ثم رؤية تلاميذ الصف الأول وهم يحملون حقائبهم المدرسية ، المصنوعة علي شكل مخالي من الدمُّور تتدلََّى من أعناقهم ، وهي منتفخة بالكتب والكرَّاسات ، وقد نبتَ لمعظمهم شوارب زغبية صفراء تحت أنوفهم . كان الأمر مقبولاً بشكل عام ، فمن أجل استكمال الفصلين تم قيد جميع المتقدمين للالتحاق بالمدرسة ، وذلك بالتساهل مع مدَى صحَّة بيانات السن في شهادات التسنين ، التي اُستخرجتْ أيضاً علي عجل . بالطبع لم يكن الأمر غريباً فيما بعـد ، ولا حتى مثيراً للدهشة ، أن يكون لبعض هؤلاء التلاميذ زوجات ، ومن ثم أطفال رضَّع كنتيجة حتمية للزواج المبكر ، وذلك قبل أن يرتقوا للصف السادس في سلّم التعـليم . أمَّا الحاج " عبد العزيز " الذي تمكن من جمع التبرعات الكافية لبناء جامع وسط البلـد ، تبرع أيضاً بنصف بيته الطيني للحكومة لافتتاح أول جمعية تعاونية زراعية ، عرفتْ الجزيرة مع افتتاحها أول مشرف زراعي لها ، هو الشاب الوسيم القادم من مدينة المنصورة : " طلعت عبد الحميد " . والجدير بالذكر أن عام اللبؤة كان أيضاً عاماً حزيناً : لأن " مبروكة " اللبَّانة فقدتْ عقلها بكل أسف في عِز الصيف ، فلقد كانت تغسل أوانيها وقـت الظهر علي حافة ترعة " بهجت " بعيداً عن بيوت الجزيرة ، كان الطقس حاراً وخانقاً ، وقد أغراها ماء الترعة البارد ، وانقطاع الرجل الماشية وقت القيلولة علي الطريق بالنزول ، نزعتْ عنها ثوبها الخارجي واكتفت بقميصها الداخلي ونزلتْ حثيثاً للترعة ، ما أن غمرت بدنها بالماء بعد أن غطستْ وقبَّـت مرتين ، حتى أحسَّت بيد غريبة تتلمسها ، انتفض جسدها فزعاً ، وسمعتْ الصوت الذي يناديها من جوف الماء ، قذفتْ بدنها للشاطئ ، والجنيَّة الشريرة تناديها بصوتها الأجـش المبحوح ، المخيف ، اللحوح : ـ " تعالي يا مبروكة .. تعالي يا حبيبتي " . أسقط الخوف قلبها في قدميها فظلَّت تجري ، ثم تسقط أرضاً ، وتنهض مهرولة ثم تسقط ، وهكذا .. هامتْ المسكينةُ علي وجهها بالجزيرة وطار عقلها . وما زالتْ حتى الآن ، تتعثر أحياناً وتسقط ، أو تهبُّ لتجري بعيداً ، لأن الصوت الجنِّي الذي زلزل كيانها ، وأفـزع أمنها بماء الترعة ، مازال يلاحقها ، ويطن في أذنيها بالنـداء الذي يدعوها حتى الآن . وكان عـام اللبؤة عـاماً لطيـفاً : لأنه شهد مولد أول قاموس " بدوي / عربي " من رحم الجزيرة للكون ، ذلك القاموس الذي أنجزه معلمُو المدرسة من أبناء المدن ، عندما صعُب عليهم فهم ما يتفوّه به التلاميذ من كلمات أو عبارات باللهجة البدوية ، فلا يدركون مقاصدها أو دلالاتها . يقول الولد : " أرعِه " .. فيحار معلِّمه ابن المدينة فيما يقصده ، حتى يدرك بعد جهد واستقصاء أن " أرعِه " هذه معناها : انظر . أوعندما يسأل المعلم تلميذه عن كراسة الحساب ، ويردُّ الولد بكلمة : " ودَّرتها " ، وبعد البحث والتقصّي بالكلام والإشارة يدرك أنُّه فقدها وأضاعها .. ، وهكذا تنامت الصعوبة مع مرور الوقت ، حتى جاء وضع القاموس كحل عبقري لتسهيل عملية التواصل والتفاهم بين الطرفين . الشيء العجيب الذي حدث فيما بعد ، أن هذا التواصل أخذ منحَى متطرفاً من الجانبين ، عندما أصرَّ المعلِّمُون علي التحدث باللهجة البدويَّة . في الوقت الذي كان فيه التلاميذ يلوُون ألسنتهم بكلمات أهل المدن ، فلا يعطِّشون الجيم أو ينطقون القاف همزة . علي كل حال كان الأمر في النهاية مضحكاً للجميع . وكان عـاماً جميـلاً : لمَّا تشكلتْ في الجزيرة أول لجنة للاتحاد الاشتراكي العربي ، التي استهلتْ أول أعمالها ، بدعوة الناس للمشاركة في إصلاح وتمهيد الطريق الداخل للجزيرة من جهة فاقوس ، ذلك بعد أن وعـد " الخواجات " باستغلال إمكانياتهم ومعارفهم في التوسط لدى المسؤولين لأجل تسيير عربة أوتوبيس عليه . ولمَّا لم يستجب أي جزايرلي لهذه الدعوة الاشتراكية بكل أسف ، فكَّر أمين اللجنة ، وكان بحق رجلاً حصيفاً . أحضر طبالاً وزماراً في بكور صبح أحد الأيام علي قارعة الطريق . الشمس كانت مختبئة ولم تطلع بعـد ، عندما كان الطبَّال يدقُّ علي طبلته الكبيرة مشدودة الجلد : بوم .. بوم .. بوم .. ، والزمَّار يرفع بوق زمارته ناحية دور الجزيرة ، التي تفرك أجفانها بعد النعاس ، يناديها : طيط .. طوط .. طيط .. طوط .. ، وهكذا استمر الطبل يدق " بوم " والزمار يرد " طيط " ، حتى خرج أهل الجزيرة ـ بدافع الفضول ـ يستطلعون الأمر ، فألفـوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الطريق الذي يدعوهم ، ويتوسل إليهم بالطبـل والمزمار . هل خجلوا من تقاعسهم ؟هل أدركُوا مدى تقصيرهم أمام النظرات اللوَّامة لأعضاء اللجنة ؟ .. المهم ، أنهم في النهاية أحضروا فئوسهم ومقاطفهم وحميرهم ، وعلي صوت النغمات الراقصة مهَّدوا الطريق . وكان عام اللبؤة عـاماً وطنيـاً : فقد جنَّدتْ حكومة الثورة شابين آخرين بالقوَّات المسلحة المصرية ، بالإضافة للجنديين المجندين من قبل : " محمد عامر و سعيد عجوة " . وكنا نحن أهل الجزيرة برغم كل الأحداث التي توالتْ عقب موت اللبؤة ، ننتظر بفارغ صبر لا ينفد ، قدوم الأسد في أية ليلة ، بظن أنه سوف يترك عرينه في التلال الأثرية جنوبي الجزيرة ، للبحث عن زوجته الصريعة ، مقتفياً أثارها عند زريبة السوالمي ، ويجنبنا بذلك مشقَّة البحث عنه . لكنه خيَّب آمالنا فيه ، فلم يتحرك من موضعه ، فنال عظيم احترامنا ، وتقديرنا لبعد نظره ، بعد أن أثبت بحق أنه زوجٌ عاقلٌ . لكنه علي الجانب الآخر استحق سخط نساء الجزيرة وتقولهن بالباطل عليه ، بأنه لا يمكن أن يكون أسداً حقيقياً ، وأنه بالتأكيد تيسٌ بلا قرنين . وازداد اللغط بين الفريقين فيما بعد : هُن يفتحن أفواههن باتساع ، ويلعبن ألسنتهن بسخرية ، ويقلن :ـ " تيـس " . ونحن معشر الرجال ، في المقابل ندقُّ قبضات أيدينا في بطون الكفوف الأخرى ، كيد الهـاون لمَّا تدق قعره ، علامة الغل عند النساء ، ونردُّ عليهن من بين أضراسنا : ـ " ملك .. ملك الغابة والتلال الأثرية " . مدخل الجزيرة يبدأ عند كوبري الميزانية ، الذي تحتضن حوائطه المجرى المائي من عند القاع ، حيث ينبت منها وعلي مقدمته ميزان الماء الرخامي الأبيض المستطيل ، خطوطه وأرقامه سوداء ، تبدأ من الصفر وتتنامى مع ارتفاعه . الريس " الهادي " ـ بحَّار الري ـ يمسك بخطافه الحديدي ، يُسقط أويرفع الخشبات في المجرى المصقول بالحائطين المتوازيين اللذين يحفَّان الماء الجاري ، أيام " البطالة " حيث يتوقف الماء أو " العمالة " حيث يتدفق الماء ، فيروِّض اندفاع سريانه الذي لا يتوقف . يرنو للمقياس الرخامي ويسجل في النوتة الصغيرة بقلمه الكوبيا مناسيب الماء ، ثم يدسَّها في جيب صديريته ، يمضي في الشارع الذي يخترق حدائق " الخواجات " الواسعة ، الذي يسلمه بعد وقت قصير مع نهاية الأسوار إلي منطقة خلاء ، لا تلبث أن توصله لأول بيوت الجزيرة والتي تكون في البداية قليـلة ، متناثرة بعشوائية ، ثم تنتظم وتتكاثف فيما بعد لتصنع شارع وسط البلد . ـــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق