شهـــــــــــــــــــادة
ستعرفني حتمًا .. إذا عرفت قريتي
بقلم
محمد عبد الله الهادي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت قد استيقظت مبكرًا قبيل شروق الشمس علي غير العادة، هذا يوم مشهود من أيام حياتي، أول يوم لي بالمدرسة، ودعتني أمي بعد أن ارتديت المريلة الكاكي وحملت حقيبة قماسية علي كتفي واصطحبني أبي، سلكنا طريقًا ترابيًا ملتويًا بين الحقول، قطعنا فيه خمسة كيلومترات حتى المدرسة بقرية "الصوفية" المجاورة. لم تكن بقريتنا مدرسة آنذاك، كان طابور الصباح منتظمًا عندما صافح أبي الأستاذ محمد عبد الدايم ناظر المدرسة صاحب الشخصية القوية المؤثرة في الناس، الرجل السياسي الذي عرفت عنه عندما كبرت أنه ناصري حتى النخاع، وتسبب هذا في عزله من رئاسة المكتب التنفيذي للاتحاد الاشتراكي بالمركز ـ في بداية عهد السادات بعد رحيل عبد الناصر وتغير اتجاه البوصلة ـ لوظيفة صغيرة بالإصلاح الزراعي، فأصيب بالاكتئاب والحزن و ومرض ومات. أخذني أحد المدرسين من يد أبي وأوقفني أمام طابور من الأطفال الصغار عرفت أنهم زملاء فصلي، وكان الأطفال بالصفوف الأخرى بالطابور آنئذ يرددون نشيدًا بصوت عال.. أغنية عبد الوهاب الشهيرة:
"ناصر كلنا بنحبك.. ناصر ونعيش ونقولك.. ناصر يا حبيب الكل يا ناصر"..
وكنت أنا و طابور الأطفال الجدد المعوج صامتين، لا نفعل شيئًا، نتطلع بدهشة عشوائية غير منتظمة للآخرين، وانتابتني رغبة ملحة في أن أردد معهم النشيد، وما أن انتهوا من نشيدهم الصباحي حتى جاء مدرس آخر يصحح من اعوجاج طابورنا الهمجي، فأخذني من مقدمة الطابور إلي مؤخرته قائلا لي: "أنت طويل .. من هنا ورايح مكانك هنا".
حزنت واعتبرت ذلك إهانة.. لكنني فيما بعد قررت أن أخيب ظنه في طولي، فتفوقت في الدراسة واختاروني رائدًا للفصل، فصرت أقف دومًا أمامه، أردد كل صباح بصوت عال:
"ناصر كلنا بنحبك.."
أو"الله أكبر فوق كيد المعتدي..".. وغيرها من الأناشيد الوطنية.
* * *
أتذكر الآن، بجلاء، أنني كنت أمارس اللعب مع أقراني في القرية ليلاً حيث النهار نقضيه في كتَّاب الشيخ إسماعيل، نحفظ القرآن ونعرف أبجد هوز والقنُوت والتحيَّات المباركات ونسب الرسول من جهة أمه ومن جهة أبيه ..
كنت طفلاً شغوفًًا بالحكي، لقد نشأنا منذ الصغر علي سماع "الحواديت"، ومن ثم إعادة حكيها مئات المرَّات، وما زلت أذكر كيف كنت ألح، أنا وأخي، علي أمِّي كي تحكي لنا "حدوتة ما قبل النوم"، وأصر علي هذا ملحًا بعناد طفولي لا ينجاب أبدًا، مهما كانت مشغولة أو مهمومة أو متعبة أو راغبة في النوم. ولم تكن ـ رحمها الله ـ تحكي لنا "حدوتة" واحدة، بل أكثر، حتى يتغلب سلطان الكرى علي أجفاننا، فنغرق في نوم مشبع بأحلام الحواديت.
ولقد أدركت، ومن خلال سماعي لأمِّي، أننا نمتلك كنزًا ثريًا من التراث الشعبي.
في قريتي "جزيرة مطاوع" لم تكن الكهرباء قد وصلتها بعد، فضلاً عن كل وسائل الاتصال الحديثة، لذا فقد كنَّا نتجمع نحن الأطفال كل مساء للعب تحت ضوء القمر، الذي يعكس شعاعه الفضي علي حبَّات الرمال البيضاء تحت بواطن أقدامنا، ويظل رفيقنا طوال الليالي المضيئة إلي أن نفتقده في الليالي المظلمة آخر كل شهر عربي، نلعب ألعابًا كثيرة، اكتشفتُ فيما بعـد بدهشة، أن أصولها ترجع لأجدادنا الفراعنة أو آبائنا العرب، لقد شاهدتُ بعض هذه الألعاب وقد صورها المصري القديم علي جدران المعابد كما نلعبها نحن بالضبط، ومنها لعبة كنَّا نطلق عليها "لعبة الفشقة": وهي لعبة رياضية، الغرض منها اختبار قوّة اللاعب، وهي واحدة من عشرات الألعاب التي كنا نلعبها، ولا يعرف عنها أطفال اليوم ـ ومنهم أطفالي للأسف ـ شيئًا، ولم تكن لعب للتسلية فقـط، بل لاختبار القـوَّة وبناء أجسام الصغـار.
* * *
كنَّا بعـد أن ننتهي من اللعب الجماعي، وتهمد أجسامنا الصغيرة تعبًا، نتحلق في ساحة أو علي مصطبة بجوار جدار، لنختتم ليلتنا بحكي "الحواديت" التي عرفناها من أمهاتنا وجداتنا، علي كل واحد منا أن يحكي "حدوتة"، وبالطبع تكون الأولوية لمن يحكي "حدوتة" جديدة لم نسمعها من قبل، ولم تكن جعبتنا تخلو من هذا الجديد، الذي تزودنا به الجدَّات والأمهات قبيل النوم. ولأن جزيرة مطاوع كانت تضم خليطاً من الفلاَّحين والبدو الذين استقروا واحترفوا الزراعة مع الرعي، فإن حلقات الحواديت هذه كانت تضم أطفال الجميع، يقول الفلاَّحون عنها "الحواديت" ويقول البدو عنها "الخراريف"، وباللهجة البدوية كان الطفل البدوي يقول:
"قول لي خرِّيفه.. خَرِّفني"..
لم تكن "الحدوتة" تختلف عن "الخريفة" في البناء أو السمات العامة التي تميزها أو حتى الحدث الرئيسي، بل إنها كانت تتشابه وتتطابق إلي حـد بعـيد، إلاَّ من بعض التفاصيل الصغيرة، التي لابـد أن البيئة الزراعية أو الصحراوية قد تركتْ بصمتها عليها:
"ست الحُسن والجمال" في "الحدوتة" هي "لولجة" في "الخريفة"، وقد تكون هي "سندريلا" أو "سنوهوايت" في الأدب العالمي.. إنها البنت رائعة الجمال التي يعشقها الشاطر حســــــن.
الثور في "الحدوتة" يقابله الجمل في "الخريفة"، والجان الذي يتحول إلي "قـط" ليخطف الزوجة في "الحدوتة" هو نفسه الذي تحول لـ "حرذون" ليؤدي نفس الغرض في "الخريفة".. وهكذا تتبادل كائنات كل بيئة حسب مكانها لتؤدي نفس الدور تقريبًا.
(جمعت مؤخرًا بعض الحواديت مع دراسة في كتاب لم يصدر بعــــد).
في مدرسة الصوفية الابتدائية كانت هناك حصَّة في الجدول اسمها "قصص"، وفي ركن الفصل مكتبة صغيرة تحايل معلمنا الأستاذ فتحي علي صنعها من أقفاص الجريد المبطن بالورق المقوي، وكان بها عدد كبير من قصص الأطفال المترجمة، قصص كانت في الأصل إنجليزية أو فرنسية أو صينية أو يابانية، بالإضافة لقصص عربية تراثية، أو قصص كامل كيلاني أشهر كاتب أطفال في ذاك الوقت.. نأخذ القصص من المكتبة لدورنا ونقرأها، وفي الحصة التالية يقف كل منا ليحكي للآخرين القصة بأسلوبه الشفهي.. وكنت أكثرهم قراءةً وحكيًا.. حتى أنني أحيانًا كنت أحتكر الحصة بأكملها لصالحي. وجعلني هذا الحب للقراءة متفوقًا في "الإنشاء والتعبير"، فكنت أحصل علي أعلى الدرجات، بل وأقرأ ما كتبت من مواضيع مميزة علي مسامع الفصل علي سبيل التشجيع والتقريظ، وأذكر أن بعض مدرسيَّ في المراحل التالية كانوا يحتفظون بكراساتي هذه في نهاية العام لديهم علي سبيل الاعتزاز والتذكر.
إنهم معلمو الزمن الجميل.
* * *
كنت أشترى بقروش مصروفي القليلة بعض المجلات الدورية، أو الكتب التي يتيسر وجودها مع بائع الصحف، الذي كان يجيء كل صباح مع قطار الدلتا البلجيكي القديم القادم من كفر صقر متجهًا إلي المنصورة، والذي اختفى منذ سنوات، وما زلت أحتفظ ببعض كتب هذه المرحلة في طبعتها الأولى ككتاب الولد الشقي لمحمود السعدني، كما كنت أقرأ الصحف التي كان يأتي بها أبي إذا ما سافر إلي فاقوس بين الحين والآخر، كذلك أبتاع كتبًا من العم إبراهيم، وهو بائع خردوات من قرية بعيدة، وكان يأتي لقريتنا يوم السوق من كل أسبوع، ويفرش بضاعته القليلة أرضًا، حاجات تحتاجها نسوة القرية ويقبلن عليها، وعلي أحد أركان فرشته كان يبيع كتبًا قديمة لا أدري من أين يجلبها، بالإضافة لكتيبات أغاني أشهر مطربي العصر أم كلثوم وفريد وعبد الوهاب وعبد الحليم وغيرهم، وكتب قصص ألف ليلة وليلة كمعروف الإسكافي وعلاء الدين أبي الشامات وغيرها في طباعة فقيرة من حي الأزهر.. كانت الكتب بضاعة غريبة في سوق قروي لمجتمع تسوده الأمية آنذاك.. وكنت واحدًا من زبائنه القلائل.
* * *
قبل أن أودع المرحلة الابتدائية بتفوق، كنت قد قرأت بعض القصص القصيرة التي وقعت في يدي مصادفة من كتب أو مجلات، وما زال ذاكرتي تحتفظ بقصة لتوفيق الحكيم لا أذكر اسمها الآن، وأخرى لمحمود البدوي اسمها "النار" ، ذكرتني باسمها ابنته ليلى البدوي التي تعيد نشر إبداعه علي شبكة النت الآن، أخذتني القصتان بقوَّة لعالم هذا الفن الجميل، فحاولت كتابة أول قصة في حياتي عن مشاعر فتاة فقدت أمها ليلة زواج أبيها بأخرى، ومع العام الأول للمرحلة الإعدادية (المدرستان متجاورتان بالصوفية) انطفأ نجم عبد الناصر الذي كنا نغني له في طابور الصباح مع هزيمة 1967م، وانتابني حزن شديد، وفقدت قريتي بعض الشهداء في هذه الحرب، ورسمتُ كثيرًا من اللوحات التي تدعو للصمود والكفاح، فقد كنت أعشق الرسم وأحصل علي أدواته مجانًا من المدرسة، وكنت أعلقها علي الحوائط،؛ جندي يطأ علم إسرائيل أو صاروخ يخترق مؤخرة موشي ديان، وأحرر مجلات حائط أنشر فيها بعض ما كتبت من قصص بتشجيع من ناظر المدرسة الأستاذ "فريد" رحمه الله، وأذكر أنني رُشحت لرحلة للمتفوقين علي مستوى المحافظة لمدن طنطا والمحلة الكبرى وكفر الدوار لزيارة المعالم الصناعية والسياحية بها، وكتبت عن الرحلة موضوعًا طويلا يقارب حجم كراسة، آثرت أن أكتبه بأسلوب أدبي كما يكتب الرحالة عن رحلاتهم، وألحقت به رسوم لأشهر الأماكن التي زرتها بقلمي الفحم، ودفعني الأستاذ فريد دفعًا ـ عندما أحسَّ بخجلي ـ أن أقرأها علي زملائي في الطابور. كما أذكر أنني حاولت في تلك الفترة تأليف كتاب عن قريتي جزيرة مطاوع، وكتبت فيه ما يقرب من الأربعين صفحة ثم توقفت.
* * *
كان للراديو دورًا كبيرًا في حياتي قبل ظهور التليفزيون، كان لدينا راديو كبير الحجم يعمل ببطارية كبيرة، لقد كنت مستمعًا عظيمًا، أقضي بجواره الساعات الطوال، وأحتضنه بالليل وأقربه من أذني إذا ما نام الجميع وأزعجهم صوته.. أحلق بخيالي مع الأغاني والمسلسلات والبرامج والأخبار والموسيقى، وأعترف صادقًا أن للراديو تأثير كبير في تكوين ثقافتي المبكــــــــرة.
* * *
والحقيقة أنه كانت تنازعني رغبات شتَّى في هذه المرحلة من العمر، في أن أكون زعيمًا سياسيًا أو كاتبًا كبيرًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو مطربًا شعبيًا يجول بالقرى أو ممثلا إذاعيًا أو صحفيًا أو أستاذًا جامعيًا .. فإذا ما صادف حياتي شخص ناجح تمنيت أن أكون مثله.
* * *
كانت قريتي ككل القرى المصرية، تنهض من ثباتها الطويل نحو التطور السريع بفضل ثورة يوليو؛ مدرسة وجمعية زراعية ومكتب بريد وسنترال .. ألخ، كانت تستقبل عصرًا جديدًا يغير كل شيء فيها، لقد كنت مهتمًا بالحياة العامة مشاركًا فيها ، كنت عضوًا عن الشباب بالاتحاد الاشتراكي العربي بلجنة العشرين بالقرية، التي لم تجتمع سوى مرة واحدة، وحدث خلاف شديد بين الأعضاء الذين كانوا يمثلون رؤوس العائلات بالقرية، فانفض الاجتماع علي أثره دون عودة، فأدركت من وقتها أن المثاليات في عالم السياسة وهم كبير. وكنت عضوًا بمنظمة الشباب وأردد مع زملائي القسم بإخلاص شديد، وكنت أشارك بجدية في مشاريع الخدمة العامة التطوعية كمحو الأمية أو مقاومة الحشرات كالبعوض والذباب أو إصلاح الطرق أو الأنشطة الرياضية بالقرية، وسجلت اسمي مع المتطوعين لإخراج إسرائيل من أرضنا المحتلة، لكنني لم أجند إلاَّ بعد حرب أكتوبر 1973م بأربعة أعوام عند تخرجي من الجامعة، كانت رائحة البارود تتلاشى عبر فضاء الشرق الأوسط .. ولم يكن في ظنِّي أنها سوف تتجمع لتتفجر بعد سنوات في أماكن أخرى، وأن السبعينيات ستكون عاصفة علي كثير من الثوابت، وأن غول النفط سوف يخرج من قمقمه ليطال أخص خصوصيات حياتنا.
* * *
ظلت القراءة ومحاولات الكتابة أمرين متلازمين معي طوال سني الدراسة، أتردد علي المكتبات وأستعير الكتب أو أقتنيها، ومن أشهر المكتبات التي استفدت منها في الفترة الجامعية مكتبة دار الكتب القديمة التي كانت قائمة آنذاك علي كورنيش نيل الزقازيق (باع أحد المحافظين موقعها المتميز لجهة استثمارية وعُبئت كنوزها في كراتين ونُقلت لمواقع مهملة، سرقت ونهبت قبل أن يبادر أحد أساتذة الطب من روادها بالتبرع بإقامة موقع بديل لها).
وكنت أرى يوسف إدريس عندما يأتي لتفقد أرضه الزراعية قرب قريتي، ولكم تمنيت أن أقول له أنني أقرأ قصصه الجميلة وأنني أحاول الكتابة، لكني لم أجرؤ، إلي أن باع الأرض في واحدة من أزماته فلم أعد أراه.
كنت مغرمًا بالسينما، أتردد بصفة منتظمة علي سينما النصر بفاقوس أو سلوى بأبي كبير أو سينما مصر أو سينما سلمى بالزقازيق أو سينمات القاهرة عندما أزور أختي.. وما زلت أذكر تزاحم الروَّاد الشديد عندما يكون هناك فيلم لعبد الحليم حافظ ابن الشرقية ، نخرج من السينما مدججين بقدر هائل من الأحلام والرؤى والإقبال علي الحياة.. وفي ليل الشتاء البارد، ننعطف نحو محطة السكك الحديدية فوق الإسفلت المبلول صوب عربات البليلة، نتناول الأطباق الساخنة بخمسة قروش قبل أن نأوي لحجراتنا التي نستأجرها بالأحياء الشعبية.
كل دور السينما بالشرقية أقفلت أبوابها منذ سنوات، وأقيمت علي أنقاضها مشاريع تجارية.
وكنت أحيانًا أعبر بحر مويس من الكوبري الحديدي الضيق قبيل كوبري المحافظة، وأرى علي صفحة النهر مركبا أو أكثر يتنزه فيها العشاق والأحبة والأصدقاء بين ضجَّة من الأضواء الجميلة المنعكسة علي صفحة المياه.. الآن، صار المرسى الصغير مهجورًا إلاَّ من صيادي الأسماك الذين يعرضون بضاعتهم للمارة وفوق رؤوسهم مكتوب بخط متعرج:
"ما اجتمع رجل وامرأة إلاَّ وكان الشيطان ثالثهما"
* * *
دعيت لكلية التربية بجامعة الزقازيق للقاء أدبي، في المدرج المكتظ بالطلبة والطالبات، كنت أسأل نفسي: ماذا يقرأ هذا الجيل؟ هل قرأ أحدهم ولو قصة لي؟ ما علاقة هؤلاء الأبناء بالثقافة في مجتمع لا يهتم بها؟ أو علي الأكثر يضعها في آخر اهتماماته؟ هل يعرفون الأدباء الذين يبدعون علي بعد خطوات من جامعتهم؟ هل يقرأون أدبًا.. رواية أو قصة أو شعرًا؟.
ولقد ترجمت هذه التساؤلات مرَّة أخرى حول دور الجامعة بالبيئة المحيطة في خطابي بمؤتمر "التراث بين القطيعة والتواصل" الذي شرفت بأمانته في بداية عام 2004م.. كان هناك انقطاع بين الجامعة والحياة الأدبية في البيئة المحيطة، وكانت حلقات البحث أو الرسائل بغير موضوعية تنصب علي المشهورين من الأحياء أو الذين رحلوا وكتب عنهم ألاف الصفحات.
ما زالت كلمة الثقافة في الواقع الرسمي والشعبي تأتي في ذيل القائمة بالنسبة للأولويات، ونظرة للانتخابات البرلمانية المتعاقبة للمجالس النيابية تؤكد خلوها من كلمة ثقافة علي مستوى المرشحين أو البرامج، مع تصاعد متنامي للجماعات الدينية المعادية للحياة، وازدياد أطوال اللحى لزملاء في العمل، واختفاء وجوه كثيرة لزميلات وراء النقاب وخيام من الملابس السوداء.
* * *
في وقت متزامن نشرت مجلة الهلال قبيل منتصف ثمانينيات القرن الماضي قصة لي بباب يشرف عليه الناقد الفني كمال النجمي، ونشرت فريدة النقاش قصة بأدب ونقد تحت باب كتابات جديدة، ونشر محسن الخياط لي قصة أخرى بجريدة الجمهورية، ثم توالى النشر في الصحف والمجلات والدوريات الأدبية.
وصرت أتردد علي التجمعات والمنتديات الأدبية وأتعرف علي الأدباء بها، ترددت علي هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالإسكندرية، جمعية الخدمات الأدبية بالقاهرة، رابطة الأدباء بكفر الزيات، نادي القصة بالإسكندرية، نادي القصة بالقاهرة، ندوة المساء.. وغيرها من الأماكن الأخرى.. ولقد ظل هناك رجلان وقفا بجانبي دون أن تكون بيني وبينهم صلة إلاَّ طابع البريد هما: محسن الخياط ومحمد جبريل.
* * *
نشرتُ مجموعتي الأولى "عيون الدهشة والحيرة" عام 1989م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بتشجيع من عبد العال الحمامصي ومحمود العزب رحمهما الله بعد أن فشلت محاولتي مع دار نشر خاصة ذات اتجاه ديني، تأكدت أن اهتمامها بالأدب ليس إلاَّ ذرًا للتراب في العيون، في مقابل تمرير أعمال سياسية دينية ضد الحقبة الناصرية التي عانوا منها، ذلك بعد أن ترددت عليهم حوالي العام، ينتقون ويستبعدون بحجة أن هذه أو تلك لا تتناسب مع سياسة الدار. ثم نشرت لي هيئة الكتاب أيضاً بعد ذلك بعام روايتي "أنشودة الأيام الآتية" التي كانت فائزة بإحدى جوائز مسابقة د. سعاد الصباح، وأعاد د. سمير سرحان نشرها بمكتبة الأسرة عام 1996م، ولقد ظل هذان العملان يمثلان البداية، رغم أن العمل الذي تقدمت به لدار النشر الخاصة لم ينشر بعد، وهذه واحدة من عجائب النشر بمصر تصلح أن تكون رواية، وما زلت أجد صعوبة في نشر أعمالي حتى الآن، وربما كانت هذه الصعوبة هي دافعي الأول لمشاركتي في العديد من المسابقات الأدبية حيث يعني الفوز نشر العمل، بالإضافة للجائزة التي ترطب حياتي قليلاً.
شاركت وفزت في مسابقات نادي القصة بالقاهرة، نادي القصة بالإسكندرية، هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، جريدة المساء، جمعية الخدمات الأدبية، جماعة رفاعة الطهطاوي، المجلس الأعلى للثقافة، المجلس الأعلى للشباب والرياضة، جائزة أحسان عبد القدوس في القصة القصيرة، هيئة قصور الثقافة، مسابقة د. سعاد الصباح، نادي جازان الأدبي بالسعودية، الشئون المعنوية ومجلة النصر للقوات المسلحة، موقع نادي حائل الأدبي بالسعودية، موقع لها أون لاين الالكتروني، وإذاعة صوت العرب، إذاعة القناة،.. وغيرها من المسابقات.
في عام 1992 نشرت مسرحية "الأخوان" في عمل مشترك عن إقليم شرق الدلتا الثقافي، وفي عام 1995 نشرت مجموعتي القصصية "الحكاية وما فيها" عن أصوات أدبية بالهيئة العامة لقصور الثقافة، وفي عام 1997 نشر لي المجلس الأعلى للثقافة روايتان قصيرتان هما "الأحلام تتداعى وضباب الفجر"، وفي عام 2002م نشرت مجموعة "حلقة ذكر" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وفي عام 2004 نشرت رواية "عصا أبنوس ذات مقبض ذهبي" عن كتاب اتحاد الكتاب، ومجموعة امرأة وألف وجه عن سلسلة خيول أدبية 2006م، والشغالة الذكية قصص أطفال عن سلسلة قطر الندى 2006م، والجزء الأول من رواية ليالي الرقص في الجزيرة "العبد" 2007م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
وما زال لدي العديد من الأعمال الأدبية في انتظار النشر. أعمال روائية وقصصية ومسرحية وأعمال للأطفال وأعمال نقدية .. فأنا أمارس النقد أحيانا ليس كناقد متخصص ، ولكن من باب إبداء الرأي والمشاركة في مناقشة أعمال لم تجد من يتناولها بالنقد، في مواجهة تعثر حركة نقدية غير مواكبة بالمرة أو متابعة لما يصدر من أعمال أدبية.. وقد نشرت جزءًا من هذه المقالات النقدية والأدبية في كتاب إلكتروني بموقع ناشري بعنوان "عبد الناصر وذو القناع الجلدي"2004م.
* * *
ما الذي دعاني لتشبيه الناقد ببائع البطيخ؟.. ما زلت أعتقد أن هناك علاقة ما بين الاثنين، فالناقد الماهر كبائع البطيخ الماهر، الناقد الجيد يكون أمينًا مع النص وأمينًا مع المتلقي، فلا يخدعه أو يغشه ببضاعة مضروبة، هو كبائع البطيخ الذي يرفع الثمرة الخضراء بين يديه، يربت عليها أو يضغطها بين كفيه فيعرفها، ويبيعها لك علي أنها ثمرة حمراء، فتجدها فعلا كذلك، أما إذا كان مخادعًا فحتمًا ستجدها "قرعة"، كثير من النقاد يبيعون لنا الوهم بتسويق أعمال قليلة الشأن، أو يجترون أنفسهم أمام أصحاب الصوت العالي أو أصحاب الشلل أو تبادل المنافع.. تفاجأ بأن كثير من الأعمال الجيدة تأتي وتمضي دون كلمة نقد منصفة.. بينما يصدعون رأسك بمقالات تتناول أعمالاً تافهة. ولهذا يفرض السؤال نفسه : لماذا يتصدر أناس بعينهم المشهد الثقافي المصري؟ لماذا هم ولا غيرهم في وسائل الإعلام أو بعثات التمثيل للخارج أو المؤتمرات أو المنتديات أو أجهزة الإعلام؟ .. لماذا لم تتم حتى الآن دراسة الأجيال التالية علي جيل الستينيات ومعرفة دورها الحقيقي في مسيرة الإبداع؟.
ولأن الحركة النقدية مصابة بالعجز والتشوه، فإننا، الأدباء، في محاولة لرأب الصدع، نلجأ أحيانا للكتابة عن أعمالنا، ليس مهمًا أن تكون المعايير النقدية مؤكدة وقياسية، بل الأهم هو المتابعة للخروج من دائرة النسيان. أمارس هذا أحيانًا إذا سنحت الفرصة، ففي مؤتمر الرواية الأخير بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر 2007م، كتبت عن ثلاث روايات يعيش كتابها خارج العاصمة.
***
لقد تناول أعمالي كثير من النقاد الجادين ، لكنني لاحظت أن هناك كثيرًا من الظواهر المرتبطة بأعمالي لم ينتبه لها أحدهم، ذلك أن معظمهم يتناول عملاً واحدًا أو اثنين دون أن يربط أعمالي كلها ببعضها، وعلي سبيل المثال:
أولا: ظاهرة التوالد القصصي.. أي أن تتوالد من فكرة القصة الواحدة قصص أخرى، أو قل تنويعات مختلفة علي لحن واحد، فالثلاثيات في قصصي كثيرة مثل "ثلاثة وجوه لعملة واحدة"، "الجزيرة في ثلاث قصص"، "ثلاث حالات تليفزيونية".. وغيرها من التضاعيف مثل "البلغة" و"البلغة مرَّة أخرى"، و"جنين يا جنيني.. عشر حكايات "، و "الكلاب أبناء الكلاب.. ست قصص" أو"وانتصب ثم انفض.. ثلاث حكايات" أو"الموت في حكايات" أو"كفان" أو"وجهان لعملة واحدة".. وغيرها الكثير مما أبدعت.
والحقيقة أنا في حاجة لناقد جاد يقرأ الظاهرة ويحللها، موضحًا إذا ما كانت تتماس مع إبداع آخرين يفعلون نفس الشيء أم لا؟.
ثانياً: "المعارضات القصصية".. ولقد فعلها البعض من قبل، أذكر منهم الكاتب الكبير يوسف الشاروني عندما تناول واحدة من شخصيات نجيب محفوظ وهي "زيطة صانع العاهات" في قصة من هذه النوعية.. ولقد كتبت أكثر من قصة علي هذا المنوال، أشهرها قصة "أ كان لا بد يا عبد العال أن تبص لي؟" في وجهة نظر أخرى لقصة يوسف إدريس الشهيرة "أ كان لابد يا لي لي أن تضيئي النور؟"، وقصة "الدنيا سيرك كبير" في موازاة لقصة يحيى الطاهر عبد الله "حكاية علي لسان كلب".. ولقد تنبه لهذه المعارضات الناقد الصديق أحمد عبد الرازق أبو العلا عندما تناول بالدراسة مجموعة "حلقة ذكــر".. لكن المدهش أن ناقدًا من بائعي البطيخ لم يعجبه هذا الأمر أو هذه المعارضات، وقال ببساطة إن الإعجاب بأي قصة لكاتب ما، لا ينبغي أن يتبعه كتابة قصة أخرى.
أقابل أحيانا أدباء لا أعرفهم، أو أناس من العامة يقرأون الأدب ، فيذكرني أحدهم مبديًا إعجابه بقصة كنت نشرتها هنا أو هناك منذ سنوات، فأشعر بالسعادة، وأشعر أن ما أنفقته من عمر في هذا الفن لم يذهب هباءً منثورًا.
* * *
في الكتابة أحيانا لا ألتزم بالقواعد الصارمة عمدًا، وأجد متعة في التدفق علي الورق، قصة "حلقة ذكر علي شرف الفقيدة" تجاوزت الخمسين صفحة، وصنفها النقاد كقصة قصيرة، ورغم الحتمية التي أشار إليها عمنا يحيى حقي عند كتابة القصة، ومدى أهميتها في ضبط السرد بعيدًا عن الزخارف، والتأني في اختيار الألفاظ، إلاَّ أنني أتحرر من ذلك أحيانًا ولا أتقيد حرفيًا، خاصة إذا ما جاءت القصة جافة، وتحتاج من وجهة نظري لترطيب ما لتكون سهلة البلع إذا جاز المعنى، وأعني بشكل آخر ذلك الأثر الذي تتركه القصة لدى المتلقي، مثل ما كان يفعل الحكاء الشعبي الماهر عندما يتعمد ألاَّ يصل إلي ما يريده مباشرة، بل يتلكأ قليلاً، مستمتعًا بدموع مستمعيه أو مبتهجًا بضحكاتهم .. أفعل ذلك بحرص ودون إغفال لروح حتمية القص لعمنا يحيى حقي، وحرصه الشديد بألاَّ يُسمع صرير القلم علي الورق.
وما زلت مؤمنا بأن اختيار الموضوع للقصة يأتي في المقام الأول، فأنت لن تستطيع أن تصنع حلوى جيدة من دقيق فاسد مهما كنت ماهرًا.
والقصة التقليدية موجودة لديَّ جنبًا إلي جنب مع القصص الأخرى التي تنحو نحو الحداثة: العبث والقصيرة جداً واللا حدث أو قصة تعدد الضمائر أو قصة الأصوات أو غيرها.
أكتب وأنا أشعر أن حجم الحرية في الكتابة تراجع عن الماضي، وأن الرقيب الداخلي للكاتب تعاظم دوره، وأن سكين السمَّاك الذي لم يقرأ "أولاد حارتنا" طالت عنق نجيب محفوظ، وأن شوارع القاهرة اهتزت تحت أقدام طلبة وطالبات الأزهر لمجرد بضع عبارات جاءت علي لسان شخصية في رواية "وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر الكاتب أو الناشر، وأخطر الأمور التي تحدث، تلك التي تنصب من رجل الدين ناقدًا أدبيًا، فيختلط الحابل بالنابل، وتتفرق دماء كتّاب الأدب بين قبائل التعصب.
أقول هذا وقد سعدت بمتابعات نقدية لمحسن الخياط ومحمد جبريل و عبد العال الحمامصي وأحمد عبد الرازق أبو العلا ود. صلاح السروي و د. محمد عبد الحليم غنيم ود. عزت جاد وصبري عبد الله قنديل ود. أحمد يوسف ود. حسين علي محمد ، ود. خليل أبو ذياب وسمير الفيل وجمال سعد محمد ود. نبيل راغب وإبراهيم عطية والعربي عبد الوهاب ومجدي جعفر و ياسر عبد العليم ود. عبد السلام سلام و بهي الدين عوض ويحيى عبد الستار وغيرهم الكثيرون.
كما ناقش أعمالي إذاعيًا وتليفزيونيًا د. مدحت الجيار وعبد العال الحمامصي ومحمد جبريل وعادل الحيني ود. عزت جاد ود. صابر عبد الدايم.
* * *
لقد ظلت القرية ـ الناس والأرض ـ هي مصدر إلهامي الأول في كل ما كتبت، قد أبتعد عنها قليلا، لكنني سرعان ما أعود إليها، مؤمنًا تمامًا بأن كل المدن في العالم تتشابه، أما القرى هي التي تمثل خصوصية الشعب، الناس في مصر يسألونك عن قريتك قبل أن يسألونك عن اسمك، وأقول لأصدقائي إذا عرفتم قريتي فإنكم حتمًا ستعرفونني، ولقد ظلَّت مصر تمثل في خاطري وإبداعي قرية كبرى بكل ما تمثله من قيم وعادات وتقاليد ومنظومة حياة.. لقد اطلعت تقريبًا علي كل ما كتب من أدب قصصي عن القرية المصرية، طه حسين والحكيم ويحيى حقي ويوسف إدريس والشرقاوي ومحمد عبد الحليم عبد الله وسعد مكاوي وغيرهم.. مرورًا بجيل الستينيات عبد الحكيم قاسم والقعيد وخيري شلبي وغيرهم من الأجيال الجديدة التي ما زالت تواصل العطاء.
وكثيرًا ما أجد متعة خاصة عندما أقرأ عملاً يتناول القرية بشكل أو بآخر، وأعتقد أن القرية معين لا ينضب لكل من أراد أن يكتب عن عالمها الثري، كما أجزم أن القرية لا تبوح بكل أسرارها إلاَّ لأبنائها الأقحاح، بعض أبناء المدن يتعرضون للقرى في إبداعهم، فتأتي كتاباتهم سياحية عابرة تفتقد كثيرًا من الروح والمعنى.
* * *
كان وما زال لي تجربة ثرية مع نوادي الأدب بقصور الثقافة بالشرقية، يكفي أن تلتقي بأناس في مدينتك الصغيرة يهمهم الشأن الأدبي الذي تمنحه جل حياتك عن طيب خاطر، فنوادي الأدب ليست كما يصورها البعض جنَّة، كما إنها لم تكن أيضًا جحيمًا، لكنها كـأي نشاط إنساني تتأثر سلبًا أو إيجابًا بروادها الذين يترددون عليها.. ودائما ما كنت أقول لأي أديب جديد يطرق باب النادي: اعتبر النادي رافدًا واحدًا من روافد كثيرة عليك أن تلجأ إليها.
كان وما زال لي تجربة في التعامل مع شبكة النت والفضاء الالكتروني، إنها قد تأخذك من نفسك بالساعات، وتمكنك من أن ترسل إنتاجك لجهات الدنيا الأربع في ثوان معدودة، وأن تنشر إنتاجك بنفسك علي المواقع الأدبية، وتتلقى ردود القراء عليها في تفاعل حي، ويمكنك في ذات الوقت من أن تطالع إنتاجًا أدبيًا غزيرًا بالمواقع المختلفة، بل وتنقل كتبًا ضخمة في دقائق معدودة إلي حاسوبك، ولا أظن كما يعتقد البعض أن النشر الالكتروني سوف يقضي علي النشر الورقي، لكنهما حتمًا سيمضيان سويًا، وإن كنت أعتز بمكتبتي الورقية فإنني أيضًا أعتز بمكتبتي الالكترونية.
* * *
أشارك يوسف إدريس رأيه بأن لدينا أدب عظيم، لكن حظه قليل بالنسبة للآداب الأخرى، خاصة أدب أمريكا اللاتينية ذائع الصيت، هم يكتبون بالأسبانية إحدى اللغات الأوروبية، وليست لديهم مشاكل سياسية عميقة مع الغرب، والتابوهات التي تعيق تدفق القلم قليلة، عكس ما هو حاصل عندنا.. انظر لصورة العرب الآن في أوروبا لتعرف أنهم صاروا يمثلون وجوها مختلفة للإرهاب والتخلف والتزمت والديكتاتورية ومحاربة حرية الإبداع وغيرها.
نصيب بلادنا في مجال الإبداع ليس في حاجة لتأكيد عبر الحضارات التي مرَّت علينا، وهذه الجذور الحضارية تدعونا للتمسك بهويتنا وخصوصيتنا القومية والثقافية في مواجهة الآخر، دون الوقوع في براثن النرجسية التي تقود للتطرف، أو النظر للآخر علي أنه الأقوى والأخطر فنسقط في براثن الخوف والدونية.. تدعونا لاحترام كل إبداع أو فكر إنساني.. تدعونا أن نأخذ ونعطي ونتلاقح.. أن نثمن حرية التعبير والاعتقاد والرأي والديموقراطية.. تدعونا لاحترام قيمة الإنسان في كل مكان أو زمان.
* * *
تؤرقني أحيانا أسئلة، أحاول أن أغرقها رغم أنفها في بئر النسيان:
ما جدوى الأدب؟ ما تأثير ما نكتب؟ لمن نكتب ومن يقرأنا بحق؟.
أتطلع لعدد ما يُطبع من كل كتاب أدبي وأتحسَّر، وأقارنه بما يُطبع هناك علي الضفة الأخرى!
حيث يلقى الاحترام والتقدير.. رغم أن أجدادنا الفراعنة هم أول من علموا أبناءهم أن حب الكتاب كحب الأم، لماذا يتشابه حال الكِتاب والكتَّاب في كل دول العرب، كأننا أوان مستطرقة تصب في بعضها البعض فتتساوى عند كل الأطراف؟ كيف يكتب الكاتب العربي وهو يرى ما يحدث حوله في فلسطين والعراق واليمن والسودان وغيرها من بلدان العرب الممتدة من (المحيط الهادر إلي الخليج الثائر) كما تقول الأغنية القديمة؟.
* * *
قيل لي أن أبي أسماني "عبد الله" علي اسم الجد ، كما إنrالأكبر للعائلة، وأنه أضاف "محمد" ليكون الاسم مركبا كاسم الرسول محمد اسم والدي (محمد الهادي) مركبًا، أما الجد (إبراهيم أبو صالح) هو أخر عمدة من سلسلة عمد العائلة، قبل أن تقيم الحكومة نقطة للشرطة بالقرية، رحل جدّي عن الدنيا قبل مولدي بخمس سنوات، لم أر سوى صورته بجلبابه الكشميري جالسًا بشموخ عمد الزمن القديم ويده اليمنى تعتمد عقفة عصاه، ينظر بثبات للكاميرا ويزر عينه اليسرى مثلي، سمعت عن أيام العز هذه ولم أعشها، قيل لي أنه كان يعشق الحياة والنساء، وبدد ثروته من الأرض الزراعية قبل رحيله.
وقيل لي أيضاً أن أحد أجدادي "صالح" ـ والذي ينتهي به اسمي ـ هاجر من الشرقية مع أخيه الأكبر "زياد" إلي الغربية، وأفلحا الأرض هناك حيث أقاما، فكانت قرية عائلتي "محلة زياد" (واحدة من أكبر قرى سمنود بالغربية)، وأن الأسرة ظلت تتوارث العمودية، وأن الجد صالح منح لقب البهوية من الملك تقديرًا لجهوده في مساعدة الأمن وتعقب الأشقياء، لكن الأسرة لم تخل من الأشقياء، فقد دوخ أحد أبناء عمومة أبي واسمه أبو سمرة شرطة عبد الناصر، وأبي الذي كان يحمله ثلاثون خفيرًا وهو طفل علي سبيل التدليل لأنه ابن عمدتهم لم يكمل تعليمه، فخيروه بعد أن اشتد عوده بكارت توصية من النحاس باشا للعمل بالري أو السكك الحديدية، فاختار جدِّي له الأولى، وما لبث أبي أن هاجر في دورة عكسية مع قنوات الري للشرقية ليتزوج منها، وتكون جزيرة مطاوع محطته الأخيرة.
وقيل لي أن عائلة النحاس باشا تمت لعائلتنا بصلة، وزينب الوكيل كانت تحرص كل عام علي إهداء جدِّي هدية من الملبوسات الصوفية المعتبرة، وأن عائلتي كلها كانت وفدية قلبًا وقالبًا في الماضي إلي أن جاءت الثورة، لقد رأيت أبي معجبًا بعبد الناصر إعجابًا عظيمًا، ربما لكونه أحد عماله الفقراء الذين جنوا كثيرًا من المكاسب في عهده، وكان ينتظر خطاباته ويحرص علي سماعها في المناسبات القومية.
* * *
في الماضي، كنت كلما شعرت بالهم أو التوتر أهرب إلي الجزيرة، هناك ألتقي بأصدقاء الصبا، وأستعيد نفسي الضائعة من توهتها، وأغسل روحي القلقة بالأمان والطمأنينة.
لكنني في السنوات الأخيرة تراجعتْ مرات رجوعي إليها.
لقد تغيرت الجزيرة كثيرًا، لقد تبدلتْ، تلطَّخ وجهها الصبوح البريء الذي أعرفه بالأصباغ. عندما أشد الرحال إليها، وأركب نفس العربات القديمة، لا أعرف الوجوه التي حولي، رغم أنهم ناسي وأهل قريتي دون شك.. وهناك، عندما أمضي في شوارعها التي ازدحمت بالناس، لا تلقاني بنفس الحميمية، فأتوه وأنا خائف منها وعليها، وأحسُّ إحساسًا غريبًا إنها نسيتني، وأنها تنكرني عن عمد، وإنها تغمز لي بالعين والحاجب وهي تدير وجهها صوب البعــــيد.
تفر الدموع من عينيَّ، تسيل علي وجنتيَّ، وأبحثُ عن كفٍ حنونة ككف أمي، تكفكف دموعي.. فلا أجـــــــــد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاقوس في 12نوفمبر2009م.
ستعرفني حتمًا .. إذا عرفت قريتي
بقلم
محمد عبد الله الهادي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت قد استيقظت مبكرًا قبيل شروق الشمس علي غير العادة، هذا يوم مشهود من أيام حياتي، أول يوم لي بالمدرسة، ودعتني أمي بعد أن ارتديت المريلة الكاكي وحملت حقيبة قماسية علي كتفي واصطحبني أبي، سلكنا طريقًا ترابيًا ملتويًا بين الحقول، قطعنا فيه خمسة كيلومترات حتى المدرسة بقرية "الصوفية" المجاورة. لم تكن بقريتنا مدرسة آنذاك، كان طابور الصباح منتظمًا عندما صافح أبي الأستاذ محمد عبد الدايم ناظر المدرسة صاحب الشخصية القوية المؤثرة في الناس، الرجل السياسي الذي عرفت عنه عندما كبرت أنه ناصري حتى النخاع، وتسبب هذا في عزله من رئاسة المكتب التنفيذي للاتحاد الاشتراكي بالمركز ـ في بداية عهد السادات بعد رحيل عبد الناصر وتغير اتجاه البوصلة ـ لوظيفة صغيرة بالإصلاح الزراعي، فأصيب بالاكتئاب والحزن و ومرض ومات. أخذني أحد المدرسين من يد أبي وأوقفني أمام طابور من الأطفال الصغار عرفت أنهم زملاء فصلي، وكان الأطفال بالصفوف الأخرى بالطابور آنئذ يرددون نشيدًا بصوت عال.. أغنية عبد الوهاب الشهيرة:
"ناصر كلنا بنحبك.. ناصر ونعيش ونقولك.. ناصر يا حبيب الكل يا ناصر"..
وكنت أنا و طابور الأطفال الجدد المعوج صامتين، لا نفعل شيئًا، نتطلع بدهشة عشوائية غير منتظمة للآخرين، وانتابتني رغبة ملحة في أن أردد معهم النشيد، وما أن انتهوا من نشيدهم الصباحي حتى جاء مدرس آخر يصحح من اعوجاج طابورنا الهمجي، فأخذني من مقدمة الطابور إلي مؤخرته قائلا لي: "أنت طويل .. من هنا ورايح مكانك هنا".
حزنت واعتبرت ذلك إهانة.. لكنني فيما بعد قررت أن أخيب ظنه في طولي، فتفوقت في الدراسة واختاروني رائدًا للفصل، فصرت أقف دومًا أمامه، أردد كل صباح بصوت عال:
"ناصر كلنا بنحبك.."
أو"الله أكبر فوق كيد المعتدي..".. وغيرها من الأناشيد الوطنية.
* * *
أتذكر الآن، بجلاء، أنني كنت أمارس اللعب مع أقراني في القرية ليلاً حيث النهار نقضيه في كتَّاب الشيخ إسماعيل، نحفظ القرآن ونعرف أبجد هوز والقنُوت والتحيَّات المباركات ونسب الرسول من جهة أمه ومن جهة أبيه ..
كنت طفلاً شغوفًًا بالحكي، لقد نشأنا منذ الصغر علي سماع "الحواديت"، ومن ثم إعادة حكيها مئات المرَّات، وما زلت أذكر كيف كنت ألح، أنا وأخي، علي أمِّي كي تحكي لنا "حدوتة ما قبل النوم"، وأصر علي هذا ملحًا بعناد طفولي لا ينجاب أبدًا، مهما كانت مشغولة أو مهمومة أو متعبة أو راغبة في النوم. ولم تكن ـ رحمها الله ـ تحكي لنا "حدوتة" واحدة، بل أكثر، حتى يتغلب سلطان الكرى علي أجفاننا، فنغرق في نوم مشبع بأحلام الحواديت.
ولقد أدركت، ومن خلال سماعي لأمِّي، أننا نمتلك كنزًا ثريًا من التراث الشعبي.
في قريتي "جزيرة مطاوع" لم تكن الكهرباء قد وصلتها بعد، فضلاً عن كل وسائل الاتصال الحديثة، لذا فقد كنَّا نتجمع نحن الأطفال كل مساء للعب تحت ضوء القمر، الذي يعكس شعاعه الفضي علي حبَّات الرمال البيضاء تحت بواطن أقدامنا، ويظل رفيقنا طوال الليالي المضيئة إلي أن نفتقده في الليالي المظلمة آخر كل شهر عربي، نلعب ألعابًا كثيرة، اكتشفتُ فيما بعـد بدهشة، أن أصولها ترجع لأجدادنا الفراعنة أو آبائنا العرب، لقد شاهدتُ بعض هذه الألعاب وقد صورها المصري القديم علي جدران المعابد كما نلعبها نحن بالضبط، ومنها لعبة كنَّا نطلق عليها "لعبة الفشقة": وهي لعبة رياضية، الغرض منها اختبار قوّة اللاعب، وهي واحدة من عشرات الألعاب التي كنا نلعبها، ولا يعرف عنها أطفال اليوم ـ ومنهم أطفالي للأسف ـ شيئًا، ولم تكن لعب للتسلية فقـط، بل لاختبار القـوَّة وبناء أجسام الصغـار.
* * *
كنَّا بعـد أن ننتهي من اللعب الجماعي، وتهمد أجسامنا الصغيرة تعبًا، نتحلق في ساحة أو علي مصطبة بجوار جدار، لنختتم ليلتنا بحكي "الحواديت" التي عرفناها من أمهاتنا وجداتنا، علي كل واحد منا أن يحكي "حدوتة"، وبالطبع تكون الأولوية لمن يحكي "حدوتة" جديدة لم نسمعها من قبل، ولم تكن جعبتنا تخلو من هذا الجديد، الذي تزودنا به الجدَّات والأمهات قبيل النوم. ولأن جزيرة مطاوع كانت تضم خليطاً من الفلاَّحين والبدو الذين استقروا واحترفوا الزراعة مع الرعي، فإن حلقات الحواديت هذه كانت تضم أطفال الجميع، يقول الفلاَّحون عنها "الحواديت" ويقول البدو عنها "الخراريف"، وباللهجة البدوية كان الطفل البدوي يقول:
"قول لي خرِّيفه.. خَرِّفني"..
لم تكن "الحدوتة" تختلف عن "الخريفة" في البناء أو السمات العامة التي تميزها أو حتى الحدث الرئيسي، بل إنها كانت تتشابه وتتطابق إلي حـد بعـيد، إلاَّ من بعض التفاصيل الصغيرة، التي لابـد أن البيئة الزراعية أو الصحراوية قد تركتْ بصمتها عليها:
"ست الحُسن والجمال" في "الحدوتة" هي "لولجة" في "الخريفة"، وقد تكون هي "سندريلا" أو "سنوهوايت" في الأدب العالمي.. إنها البنت رائعة الجمال التي يعشقها الشاطر حســــــن.
الثور في "الحدوتة" يقابله الجمل في "الخريفة"، والجان الذي يتحول إلي "قـط" ليخطف الزوجة في "الحدوتة" هو نفسه الذي تحول لـ "حرذون" ليؤدي نفس الغرض في "الخريفة".. وهكذا تتبادل كائنات كل بيئة حسب مكانها لتؤدي نفس الدور تقريبًا.
(جمعت مؤخرًا بعض الحواديت مع دراسة في كتاب لم يصدر بعــــد).
في مدرسة الصوفية الابتدائية كانت هناك حصَّة في الجدول اسمها "قصص"، وفي ركن الفصل مكتبة صغيرة تحايل معلمنا الأستاذ فتحي علي صنعها من أقفاص الجريد المبطن بالورق المقوي، وكان بها عدد كبير من قصص الأطفال المترجمة، قصص كانت في الأصل إنجليزية أو فرنسية أو صينية أو يابانية، بالإضافة لقصص عربية تراثية، أو قصص كامل كيلاني أشهر كاتب أطفال في ذاك الوقت.. نأخذ القصص من المكتبة لدورنا ونقرأها، وفي الحصة التالية يقف كل منا ليحكي للآخرين القصة بأسلوبه الشفهي.. وكنت أكثرهم قراءةً وحكيًا.. حتى أنني أحيانًا كنت أحتكر الحصة بأكملها لصالحي. وجعلني هذا الحب للقراءة متفوقًا في "الإنشاء والتعبير"، فكنت أحصل علي أعلى الدرجات، بل وأقرأ ما كتبت من مواضيع مميزة علي مسامع الفصل علي سبيل التشجيع والتقريظ، وأذكر أن بعض مدرسيَّ في المراحل التالية كانوا يحتفظون بكراساتي هذه في نهاية العام لديهم علي سبيل الاعتزاز والتذكر.
إنهم معلمو الزمن الجميل.
* * *
كنت أشترى بقروش مصروفي القليلة بعض المجلات الدورية، أو الكتب التي يتيسر وجودها مع بائع الصحف، الذي كان يجيء كل صباح مع قطار الدلتا البلجيكي القديم القادم من كفر صقر متجهًا إلي المنصورة، والذي اختفى منذ سنوات، وما زلت أحتفظ ببعض كتب هذه المرحلة في طبعتها الأولى ككتاب الولد الشقي لمحمود السعدني، كما كنت أقرأ الصحف التي كان يأتي بها أبي إذا ما سافر إلي فاقوس بين الحين والآخر، كذلك أبتاع كتبًا من العم إبراهيم، وهو بائع خردوات من قرية بعيدة، وكان يأتي لقريتنا يوم السوق من كل أسبوع، ويفرش بضاعته القليلة أرضًا، حاجات تحتاجها نسوة القرية ويقبلن عليها، وعلي أحد أركان فرشته كان يبيع كتبًا قديمة لا أدري من أين يجلبها، بالإضافة لكتيبات أغاني أشهر مطربي العصر أم كلثوم وفريد وعبد الوهاب وعبد الحليم وغيرهم، وكتب قصص ألف ليلة وليلة كمعروف الإسكافي وعلاء الدين أبي الشامات وغيرها في طباعة فقيرة من حي الأزهر.. كانت الكتب بضاعة غريبة في سوق قروي لمجتمع تسوده الأمية آنذاك.. وكنت واحدًا من زبائنه القلائل.
* * *
قبل أن أودع المرحلة الابتدائية بتفوق، كنت قد قرأت بعض القصص القصيرة التي وقعت في يدي مصادفة من كتب أو مجلات، وما زال ذاكرتي تحتفظ بقصة لتوفيق الحكيم لا أذكر اسمها الآن، وأخرى لمحمود البدوي اسمها "النار" ، ذكرتني باسمها ابنته ليلى البدوي التي تعيد نشر إبداعه علي شبكة النت الآن، أخذتني القصتان بقوَّة لعالم هذا الفن الجميل، فحاولت كتابة أول قصة في حياتي عن مشاعر فتاة فقدت أمها ليلة زواج أبيها بأخرى، ومع العام الأول للمرحلة الإعدادية (المدرستان متجاورتان بالصوفية) انطفأ نجم عبد الناصر الذي كنا نغني له في طابور الصباح مع هزيمة 1967م، وانتابني حزن شديد، وفقدت قريتي بعض الشهداء في هذه الحرب، ورسمتُ كثيرًا من اللوحات التي تدعو للصمود والكفاح، فقد كنت أعشق الرسم وأحصل علي أدواته مجانًا من المدرسة، وكنت أعلقها علي الحوائط،؛ جندي يطأ علم إسرائيل أو صاروخ يخترق مؤخرة موشي ديان، وأحرر مجلات حائط أنشر فيها بعض ما كتبت من قصص بتشجيع من ناظر المدرسة الأستاذ "فريد" رحمه الله، وأذكر أنني رُشحت لرحلة للمتفوقين علي مستوى المحافظة لمدن طنطا والمحلة الكبرى وكفر الدوار لزيارة المعالم الصناعية والسياحية بها، وكتبت عن الرحلة موضوعًا طويلا يقارب حجم كراسة، آثرت أن أكتبه بأسلوب أدبي كما يكتب الرحالة عن رحلاتهم، وألحقت به رسوم لأشهر الأماكن التي زرتها بقلمي الفحم، ودفعني الأستاذ فريد دفعًا ـ عندما أحسَّ بخجلي ـ أن أقرأها علي زملائي في الطابور. كما أذكر أنني حاولت في تلك الفترة تأليف كتاب عن قريتي جزيرة مطاوع، وكتبت فيه ما يقرب من الأربعين صفحة ثم توقفت.
* * *
كان للراديو دورًا كبيرًا في حياتي قبل ظهور التليفزيون، كان لدينا راديو كبير الحجم يعمل ببطارية كبيرة، لقد كنت مستمعًا عظيمًا، أقضي بجواره الساعات الطوال، وأحتضنه بالليل وأقربه من أذني إذا ما نام الجميع وأزعجهم صوته.. أحلق بخيالي مع الأغاني والمسلسلات والبرامج والأخبار والموسيقى، وأعترف صادقًا أن للراديو تأثير كبير في تكوين ثقافتي المبكــــــــرة.
* * *
والحقيقة أنه كانت تنازعني رغبات شتَّى في هذه المرحلة من العمر، في أن أكون زعيمًا سياسيًا أو كاتبًا كبيرًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو مطربًا شعبيًا يجول بالقرى أو ممثلا إذاعيًا أو صحفيًا أو أستاذًا جامعيًا .. فإذا ما صادف حياتي شخص ناجح تمنيت أن أكون مثله.
* * *
كانت قريتي ككل القرى المصرية، تنهض من ثباتها الطويل نحو التطور السريع بفضل ثورة يوليو؛ مدرسة وجمعية زراعية ومكتب بريد وسنترال .. ألخ، كانت تستقبل عصرًا جديدًا يغير كل شيء فيها، لقد كنت مهتمًا بالحياة العامة مشاركًا فيها ، كنت عضوًا عن الشباب بالاتحاد الاشتراكي العربي بلجنة العشرين بالقرية، التي لم تجتمع سوى مرة واحدة، وحدث خلاف شديد بين الأعضاء الذين كانوا يمثلون رؤوس العائلات بالقرية، فانفض الاجتماع علي أثره دون عودة، فأدركت من وقتها أن المثاليات في عالم السياسة وهم كبير. وكنت عضوًا بمنظمة الشباب وأردد مع زملائي القسم بإخلاص شديد، وكنت أشارك بجدية في مشاريع الخدمة العامة التطوعية كمحو الأمية أو مقاومة الحشرات كالبعوض والذباب أو إصلاح الطرق أو الأنشطة الرياضية بالقرية، وسجلت اسمي مع المتطوعين لإخراج إسرائيل من أرضنا المحتلة، لكنني لم أجند إلاَّ بعد حرب أكتوبر 1973م بأربعة أعوام عند تخرجي من الجامعة، كانت رائحة البارود تتلاشى عبر فضاء الشرق الأوسط .. ولم يكن في ظنِّي أنها سوف تتجمع لتتفجر بعد سنوات في أماكن أخرى، وأن السبعينيات ستكون عاصفة علي كثير من الثوابت، وأن غول النفط سوف يخرج من قمقمه ليطال أخص خصوصيات حياتنا.
* * *
ظلت القراءة ومحاولات الكتابة أمرين متلازمين معي طوال سني الدراسة، أتردد علي المكتبات وأستعير الكتب أو أقتنيها، ومن أشهر المكتبات التي استفدت منها في الفترة الجامعية مكتبة دار الكتب القديمة التي كانت قائمة آنذاك علي كورنيش نيل الزقازيق (باع أحد المحافظين موقعها المتميز لجهة استثمارية وعُبئت كنوزها في كراتين ونُقلت لمواقع مهملة، سرقت ونهبت قبل أن يبادر أحد أساتذة الطب من روادها بالتبرع بإقامة موقع بديل لها).
وكنت أرى يوسف إدريس عندما يأتي لتفقد أرضه الزراعية قرب قريتي، ولكم تمنيت أن أقول له أنني أقرأ قصصه الجميلة وأنني أحاول الكتابة، لكني لم أجرؤ، إلي أن باع الأرض في واحدة من أزماته فلم أعد أراه.
كنت مغرمًا بالسينما، أتردد بصفة منتظمة علي سينما النصر بفاقوس أو سلوى بأبي كبير أو سينما مصر أو سينما سلمى بالزقازيق أو سينمات القاهرة عندما أزور أختي.. وما زلت أذكر تزاحم الروَّاد الشديد عندما يكون هناك فيلم لعبد الحليم حافظ ابن الشرقية ، نخرج من السينما مدججين بقدر هائل من الأحلام والرؤى والإقبال علي الحياة.. وفي ليل الشتاء البارد، ننعطف نحو محطة السكك الحديدية فوق الإسفلت المبلول صوب عربات البليلة، نتناول الأطباق الساخنة بخمسة قروش قبل أن نأوي لحجراتنا التي نستأجرها بالأحياء الشعبية.
كل دور السينما بالشرقية أقفلت أبوابها منذ سنوات، وأقيمت علي أنقاضها مشاريع تجارية.
وكنت أحيانًا أعبر بحر مويس من الكوبري الحديدي الضيق قبيل كوبري المحافظة، وأرى علي صفحة النهر مركبا أو أكثر يتنزه فيها العشاق والأحبة والأصدقاء بين ضجَّة من الأضواء الجميلة المنعكسة علي صفحة المياه.. الآن، صار المرسى الصغير مهجورًا إلاَّ من صيادي الأسماك الذين يعرضون بضاعتهم للمارة وفوق رؤوسهم مكتوب بخط متعرج:
"ما اجتمع رجل وامرأة إلاَّ وكان الشيطان ثالثهما"
* * *
دعيت لكلية التربية بجامعة الزقازيق للقاء أدبي، في المدرج المكتظ بالطلبة والطالبات، كنت أسأل نفسي: ماذا يقرأ هذا الجيل؟ هل قرأ أحدهم ولو قصة لي؟ ما علاقة هؤلاء الأبناء بالثقافة في مجتمع لا يهتم بها؟ أو علي الأكثر يضعها في آخر اهتماماته؟ هل يعرفون الأدباء الذين يبدعون علي بعد خطوات من جامعتهم؟ هل يقرأون أدبًا.. رواية أو قصة أو شعرًا؟.
ولقد ترجمت هذه التساؤلات مرَّة أخرى حول دور الجامعة بالبيئة المحيطة في خطابي بمؤتمر "التراث بين القطيعة والتواصل" الذي شرفت بأمانته في بداية عام 2004م.. كان هناك انقطاع بين الجامعة والحياة الأدبية في البيئة المحيطة، وكانت حلقات البحث أو الرسائل بغير موضوعية تنصب علي المشهورين من الأحياء أو الذين رحلوا وكتب عنهم ألاف الصفحات.
ما زالت كلمة الثقافة في الواقع الرسمي والشعبي تأتي في ذيل القائمة بالنسبة للأولويات، ونظرة للانتخابات البرلمانية المتعاقبة للمجالس النيابية تؤكد خلوها من كلمة ثقافة علي مستوى المرشحين أو البرامج، مع تصاعد متنامي للجماعات الدينية المعادية للحياة، وازدياد أطوال اللحى لزملاء في العمل، واختفاء وجوه كثيرة لزميلات وراء النقاب وخيام من الملابس السوداء.
* * *
في وقت متزامن نشرت مجلة الهلال قبيل منتصف ثمانينيات القرن الماضي قصة لي بباب يشرف عليه الناقد الفني كمال النجمي، ونشرت فريدة النقاش قصة بأدب ونقد تحت باب كتابات جديدة، ونشر محسن الخياط لي قصة أخرى بجريدة الجمهورية، ثم توالى النشر في الصحف والمجلات والدوريات الأدبية.
وصرت أتردد علي التجمعات والمنتديات الأدبية وأتعرف علي الأدباء بها، ترددت علي هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالإسكندرية، جمعية الخدمات الأدبية بالقاهرة، رابطة الأدباء بكفر الزيات، نادي القصة بالإسكندرية، نادي القصة بالقاهرة، ندوة المساء.. وغيرها من الأماكن الأخرى.. ولقد ظل هناك رجلان وقفا بجانبي دون أن تكون بيني وبينهم صلة إلاَّ طابع البريد هما: محسن الخياط ومحمد جبريل.
* * *
نشرتُ مجموعتي الأولى "عيون الدهشة والحيرة" عام 1989م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بتشجيع من عبد العال الحمامصي ومحمود العزب رحمهما الله بعد أن فشلت محاولتي مع دار نشر خاصة ذات اتجاه ديني، تأكدت أن اهتمامها بالأدب ليس إلاَّ ذرًا للتراب في العيون، في مقابل تمرير أعمال سياسية دينية ضد الحقبة الناصرية التي عانوا منها، ذلك بعد أن ترددت عليهم حوالي العام، ينتقون ويستبعدون بحجة أن هذه أو تلك لا تتناسب مع سياسة الدار. ثم نشرت لي هيئة الكتاب أيضاً بعد ذلك بعام روايتي "أنشودة الأيام الآتية" التي كانت فائزة بإحدى جوائز مسابقة د. سعاد الصباح، وأعاد د. سمير سرحان نشرها بمكتبة الأسرة عام 1996م، ولقد ظل هذان العملان يمثلان البداية، رغم أن العمل الذي تقدمت به لدار النشر الخاصة لم ينشر بعد، وهذه واحدة من عجائب النشر بمصر تصلح أن تكون رواية، وما زلت أجد صعوبة في نشر أعمالي حتى الآن، وربما كانت هذه الصعوبة هي دافعي الأول لمشاركتي في العديد من المسابقات الأدبية حيث يعني الفوز نشر العمل، بالإضافة للجائزة التي ترطب حياتي قليلاً.
شاركت وفزت في مسابقات نادي القصة بالقاهرة، نادي القصة بالإسكندرية، هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، جريدة المساء، جمعية الخدمات الأدبية، جماعة رفاعة الطهطاوي، المجلس الأعلى للثقافة، المجلس الأعلى للشباب والرياضة، جائزة أحسان عبد القدوس في القصة القصيرة، هيئة قصور الثقافة، مسابقة د. سعاد الصباح، نادي جازان الأدبي بالسعودية، الشئون المعنوية ومجلة النصر للقوات المسلحة، موقع نادي حائل الأدبي بالسعودية، موقع لها أون لاين الالكتروني، وإذاعة صوت العرب، إذاعة القناة،.. وغيرها من المسابقات.
في عام 1992 نشرت مسرحية "الأخوان" في عمل مشترك عن إقليم شرق الدلتا الثقافي، وفي عام 1995 نشرت مجموعتي القصصية "الحكاية وما فيها" عن أصوات أدبية بالهيئة العامة لقصور الثقافة، وفي عام 1997 نشر لي المجلس الأعلى للثقافة روايتان قصيرتان هما "الأحلام تتداعى وضباب الفجر"، وفي عام 2002م نشرت مجموعة "حلقة ذكر" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وفي عام 2004 نشرت رواية "عصا أبنوس ذات مقبض ذهبي" عن كتاب اتحاد الكتاب، ومجموعة امرأة وألف وجه عن سلسلة خيول أدبية 2006م، والشغالة الذكية قصص أطفال عن سلسلة قطر الندى 2006م، والجزء الأول من رواية ليالي الرقص في الجزيرة "العبد" 2007م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
وما زال لدي العديد من الأعمال الأدبية في انتظار النشر. أعمال روائية وقصصية ومسرحية وأعمال للأطفال وأعمال نقدية .. فأنا أمارس النقد أحيانا ليس كناقد متخصص ، ولكن من باب إبداء الرأي والمشاركة في مناقشة أعمال لم تجد من يتناولها بالنقد، في مواجهة تعثر حركة نقدية غير مواكبة بالمرة أو متابعة لما يصدر من أعمال أدبية.. وقد نشرت جزءًا من هذه المقالات النقدية والأدبية في كتاب إلكتروني بموقع ناشري بعنوان "عبد الناصر وذو القناع الجلدي"2004م.
* * *
ما الذي دعاني لتشبيه الناقد ببائع البطيخ؟.. ما زلت أعتقد أن هناك علاقة ما بين الاثنين، فالناقد الماهر كبائع البطيخ الماهر، الناقد الجيد يكون أمينًا مع النص وأمينًا مع المتلقي، فلا يخدعه أو يغشه ببضاعة مضروبة، هو كبائع البطيخ الذي يرفع الثمرة الخضراء بين يديه، يربت عليها أو يضغطها بين كفيه فيعرفها، ويبيعها لك علي أنها ثمرة حمراء، فتجدها فعلا كذلك، أما إذا كان مخادعًا فحتمًا ستجدها "قرعة"، كثير من النقاد يبيعون لنا الوهم بتسويق أعمال قليلة الشأن، أو يجترون أنفسهم أمام أصحاب الصوت العالي أو أصحاب الشلل أو تبادل المنافع.. تفاجأ بأن كثير من الأعمال الجيدة تأتي وتمضي دون كلمة نقد منصفة.. بينما يصدعون رأسك بمقالات تتناول أعمالاً تافهة. ولهذا يفرض السؤال نفسه : لماذا يتصدر أناس بعينهم المشهد الثقافي المصري؟ لماذا هم ولا غيرهم في وسائل الإعلام أو بعثات التمثيل للخارج أو المؤتمرات أو المنتديات أو أجهزة الإعلام؟ .. لماذا لم تتم حتى الآن دراسة الأجيال التالية علي جيل الستينيات ومعرفة دورها الحقيقي في مسيرة الإبداع؟.
ولأن الحركة النقدية مصابة بالعجز والتشوه، فإننا، الأدباء، في محاولة لرأب الصدع، نلجأ أحيانا للكتابة عن أعمالنا، ليس مهمًا أن تكون المعايير النقدية مؤكدة وقياسية، بل الأهم هو المتابعة للخروج من دائرة النسيان. أمارس هذا أحيانًا إذا سنحت الفرصة، ففي مؤتمر الرواية الأخير بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر 2007م، كتبت عن ثلاث روايات يعيش كتابها خارج العاصمة.
***
لقد تناول أعمالي كثير من النقاد الجادين ، لكنني لاحظت أن هناك كثيرًا من الظواهر المرتبطة بأعمالي لم ينتبه لها أحدهم، ذلك أن معظمهم يتناول عملاً واحدًا أو اثنين دون أن يربط أعمالي كلها ببعضها، وعلي سبيل المثال:
أولا: ظاهرة التوالد القصصي.. أي أن تتوالد من فكرة القصة الواحدة قصص أخرى، أو قل تنويعات مختلفة علي لحن واحد، فالثلاثيات في قصصي كثيرة مثل "ثلاثة وجوه لعملة واحدة"، "الجزيرة في ثلاث قصص"، "ثلاث حالات تليفزيونية".. وغيرها من التضاعيف مثل "البلغة" و"البلغة مرَّة أخرى"، و"جنين يا جنيني.. عشر حكايات "، و "الكلاب أبناء الكلاب.. ست قصص" أو"وانتصب ثم انفض.. ثلاث حكايات" أو"الموت في حكايات" أو"كفان" أو"وجهان لعملة واحدة".. وغيرها الكثير مما أبدعت.
والحقيقة أنا في حاجة لناقد جاد يقرأ الظاهرة ويحللها، موضحًا إذا ما كانت تتماس مع إبداع آخرين يفعلون نفس الشيء أم لا؟.
ثانياً: "المعارضات القصصية".. ولقد فعلها البعض من قبل، أذكر منهم الكاتب الكبير يوسف الشاروني عندما تناول واحدة من شخصيات نجيب محفوظ وهي "زيطة صانع العاهات" في قصة من هذه النوعية.. ولقد كتبت أكثر من قصة علي هذا المنوال، أشهرها قصة "أ كان لا بد يا عبد العال أن تبص لي؟" في وجهة نظر أخرى لقصة يوسف إدريس الشهيرة "أ كان لابد يا لي لي أن تضيئي النور؟"، وقصة "الدنيا سيرك كبير" في موازاة لقصة يحيى الطاهر عبد الله "حكاية علي لسان كلب".. ولقد تنبه لهذه المعارضات الناقد الصديق أحمد عبد الرازق أبو العلا عندما تناول بالدراسة مجموعة "حلقة ذكــر".. لكن المدهش أن ناقدًا من بائعي البطيخ لم يعجبه هذا الأمر أو هذه المعارضات، وقال ببساطة إن الإعجاب بأي قصة لكاتب ما، لا ينبغي أن يتبعه كتابة قصة أخرى.
أقابل أحيانا أدباء لا أعرفهم، أو أناس من العامة يقرأون الأدب ، فيذكرني أحدهم مبديًا إعجابه بقصة كنت نشرتها هنا أو هناك منذ سنوات، فأشعر بالسعادة، وأشعر أن ما أنفقته من عمر في هذا الفن لم يذهب هباءً منثورًا.
* * *
في الكتابة أحيانا لا ألتزم بالقواعد الصارمة عمدًا، وأجد متعة في التدفق علي الورق، قصة "حلقة ذكر علي شرف الفقيدة" تجاوزت الخمسين صفحة، وصنفها النقاد كقصة قصيرة، ورغم الحتمية التي أشار إليها عمنا يحيى حقي عند كتابة القصة، ومدى أهميتها في ضبط السرد بعيدًا عن الزخارف، والتأني في اختيار الألفاظ، إلاَّ أنني أتحرر من ذلك أحيانًا ولا أتقيد حرفيًا، خاصة إذا ما جاءت القصة جافة، وتحتاج من وجهة نظري لترطيب ما لتكون سهلة البلع إذا جاز المعنى، وأعني بشكل آخر ذلك الأثر الذي تتركه القصة لدى المتلقي، مثل ما كان يفعل الحكاء الشعبي الماهر عندما يتعمد ألاَّ يصل إلي ما يريده مباشرة، بل يتلكأ قليلاً، مستمتعًا بدموع مستمعيه أو مبتهجًا بضحكاتهم .. أفعل ذلك بحرص ودون إغفال لروح حتمية القص لعمنا يحيى حقي، وحرصه الشديد بألاَّ يُسمع صرير القلم علي الورق.
وما زلت مؤمنا بأن اختيار الموضوع للقصة يأتي في المقام الأول، فأنت لن تستطيع أن تصنع حلوى جيدة من دقيق فاسد مهما كنت ماهرًا.
والقصة التقليدية موجودة لديَّ جنبًا إلي جنب مع القصص الأخرى التي تنحو نحو الحداثة: العبث والقصيرة جداً واللا حدث أو قصة تعدد الضمائر أو قصة الأصوات أو غيرها.
أكتب وأنا أشعر أن حجم الحرية في الكتابة تراجع عن الماضي، وأن الرقيب الداخلي للكاتب تعاظم دوره، وأن سكين السمَّاك الذي لم يقرأ "أولاد حارتنا" طالت عنق نجيب محفوظ، وأن شوارع القاهرة اهتزت تحت أقدام طلبة وطالبات الأزهر لمجرد بضع عبارات جاءت علي لسان شخصية في رواية "وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر الكاتب أو الناشر، وأخطر الأمور التي تحدث، تلك التي تنصب من رجل الدين ناقدًا أدبيًا، فيختلط الحابل بالنابل، وتتفرق دماء كتّاب الأدب بين قبائل التعصب.
أقول هذا وقد سعدت بمتابعات نقدية لمحسن الخياط ومحمد جبريل و عبد العال الحمامصي وأحمد عبد الرازق أبو العلا ود. صلاح السروي و د. محمد عبد الحليم غنيم ود. عزت جاد وصبري عبد الله قنديل ود. أحمد يوسف ود. حسين علي محمد ، ود. خليل أبو ذياب وسمير الفيل وجمال سعد محمد ود. نبيل راغب وإبراهيم عطية والعربي عبد الوهاب ومجدي جعفر و ياسر عبد العليم ود. عبد السلام سلام و بهي الدين عوض ويحيى عبد الستار وغيرهم الكثيرون.
كما ناقش أعمالي إذاعيًا وتليفزيونيًا د. مدحت الجيار وعبد العال الحمامصي ومحمد جبريل وعادل الحيني ود. عزت جاد ود. صابر عبد الدايم.
* * *
لقد ظلت القرية ـ الناس والأرض ـ هي مصدر إلهامي الأول في كل ما كتبت، قد أبتعد عنها قليلا، لكنني سرعان ما أعود إليها، مؤمنًا تمامًا بأن كل المدن في العالم تتشابه، أما القرى هي التي تمثل خصوصية الشعب، الناس في مصر يسألونك عن قريتك قبل أن يسألونك عن اسمك، وأقول لأصدقائي إذا عرفتم قريتي فإنكم حتمًا ستعرفونني، ولقد ظلَّت مصر تمثل في خاطري وإبداعي قرية كبرى بكل ما تمثله من قيم وعادات وتقاليد ومنظومة حياة.. لقد اطلعت تقريبًا علي كل ما كتب من أدب قصصي عن القرية المصرية، طه حسين والحكيم ويحيى حقي ويوسف إدريس والشرقاوي ومحمد عبد الحليم عبد الله وسعد مكاوي وغيرهم.. مرورًا بجيل الستينيات عبد الحكيم قاسم والقعيد وخيري شلبي وغيرهم من الأجيال الجديدة التي ما زالت تواصل العطاء.
وكثيرًا ما أجد متعة خاصة عندما أقرأ عملاً يتناول القرية بشكل أو بآخر، وأعتقد أن القرية معين لا ينضب لكل من أراد أن يكتب عن عالمها الثري، كما أجزم أن القرية لا تبوح بكل أسرارها إلاَّ لأبنائها الأقحاح، بعض أبناء المدن يتعرضون للقرى في إبداعهم، فتأتي كتاباتهم سياحية عابرة تفتقد كثيرًا من الروح والمعنى.
* * *
كان وما زال لي تجربة ثرية مع نوادي الأدب بقصور الثقافة بالشرقية، يكفي أن تلتقي بأناس في مدينتك الصغيرة يهمهم الشأن الأدبي الذي تمنحه جل حياتك عن طيب خاطر، فنوادي الأدب ليست كما يصورها البعض جنَّة، كما إنها لم تكن أيضًا جحيمًا، لكنها كـأي نشاط إنساني تتأثر سلبًا أو إيجابًا بروادها الذين يترددون عليها.. ودائما ما كنت أقول لأي أديب جديد يطرق باب النادي: اعتبر النادي رافدًا واحدًا من روافد كثيرة عليك أن تلجأ إليها.
كان وما زال لي تجربة في التعامل مع شبكة النت والفضاء الالكتروني، إنها قد تأخذك من نفسك بالساعات، وتمكنك من أن ترسل إنتاجك لجهات الدنيا الأربع في ثوان معدودة، وأن تنشر إنتاجك بنفسك علي المواقع الأدبية، وتتلقى ردود القراء عليها في تفاعل حي، ويمكنك في ذات الوقت من أن تطالع إنتاجًا أدبيًا غزيرًا بالمواقع المختلفة، بل وتنقل كتبًا ضخمة في دقائق معدودة إلي حاسوبك، ولا أظن كما يعتقد البعض أن النشر الالكتروني سوف يقضي علي النشر الورقي، لكنهما حتمًا سيمضيان سويًا، وإن كنت أعتز بمكتبتي الورقية فإنني أيضًا أعتز بمكتبتي الالكترونية.
* * *
أشارك يوسف إدريس رأيه بأن لدينا أدب عظيم، لكن حظه قليل بالنسبة للآداب الأخرى، خاصة أدب أمريكا اللاتينية ذائع الصيت، هم يكتبون بالأسبانية إحدى اللغات الأوروبية، وليست لديهم مشاكل سياسية عميقة مع الغرب، والتابوهات التي تعيق تدفق القلم قليلة، عكس ما هو حاصل عندنا.. انظر لصورة العرب الآن في أوروبا لتعرف أنهم صاروا يمثلون وجوها مختلفة للإرهاب والتخلف والتزمت والديكتاتورية ومحاربة حرية الإبداع وغيرها.
نصيب بلادنا في مجال الإبداع ليس في حاجة لتأكيد عبر الحضارات التي مرَّت علينا، وهذه الجذور الحضارية تدعونا للتمسك بهويتنا وخصوصيتنا القومية والثقافية في مواجهة الآخر، دون الوقوع في براثن النرجسية التي تقود للتطرف، أو النظر للآخر علي أنه الأقوى والأخطر فنسقط في براثن الخوف والدونية.. تدعونا لاحترام كل إبداع أو فكر إنساني.. تدعونا أن نأخذ ونعطي ونتلاقح.. أن نثمن حرية التعبير والاعتقاد والرأي والديموقراطية.. تدعونا لاحترام قيمة الإنسان في كل مكان أو زمان.
* * *
تؤرقني أحيانا أسئلة، أحاول أن أغرقها رغم أنفها في بئر النسيان:
ما جدوى الأدب؟ ما تأثير ما نكتب؟ لمن نكتب ومن يقرأنا بحق؟.
أتطلع لعدد ما يُطبع من كل كتاب أدبي وأتحسَّر، وأقارنه بما يُطبع هناك علي الضفة الأخرى!
حيث يلقى الاحترام والتقدير.. رغم أن أجدادنا الفراعنة هم أول من علموا أبناءهم أن حب الكتاب كحب الأم، لماذا يتشابه حال الكِتاب والكتَّاب في كل دول العرب، كأننا أوان مستطرقة تصب في بعضها البعض فتتساوى عند كل الأطراف؟ كيف يكتب الكاتب العربي وهو يرى ما يحدث حوله في فلسطين والعراق واليمن والسودان وغيرها من بلدان العرب الممتدة من (المحيط الهادر إلي الخليج الثائر) كما تقول الأغنية القديمة؟.
* * *
قيل لي أن أبي أسماني "عبد الله" علي اسم الجد ، كما إنrالأكبر للعائلة، وأنه أضاف "محمد" ليكون الاسم مركبا كاسم الرسول محمد اسم والدي (محمد الهادي) مركبًا، أما الجد (إبراهيم أبو صالح) هو أخر عمدة من سلسلة عمد العائلة، قبل أن تقيم الحكومة نقطة للشرطة بالقرية، رحل جدّي عن الدنيا قبل مولدي بخمس سنوات، لم أر سوى صورته بجلبابه الكشميري جالسًا بشموخ عمد الزمن القديم ويده اليمنى تعتمد عقفة عصاه، ينظر بثبات للكاميرا ويزر عينه اليسرى مثلي، سمعت عن أيام العز هذه ولم أعشها، قيل لي أنه كان يعشق الحياة والنساء، وبدد ثروته من الأرض الزراعية قبل رحيله.
وقيل لي أيضاً أن أحد أجدادي "صالح" ـ والذي ينتهي به اسمي ـ هاجر من الشرقية مع أخيه الأكبر "زياد" إلي الغربية، وأفلحا الأرض هناك حيث أقاما، فكانت قرية عائلتي "محلة زياد" (واحدة من أكبر قرى سمنود بالغربية)، وأن الأسرة ظلت تتوارث العمودية، وأن الجد صالح منح لقب البهوية من الملك تقديرًا لجهوده في مساعدة الأمن وتعقب الأشقياء، لكن الأسرة لم تخل من الأشقياء، فقد دوخ أحد أبناء عمومة أبي واسمه أبو سمرة شرطة عبد الناصر، وأبي الذي كان يحمله ثلاثون خفيرًا وهو طفل علي سبيل التدليل لأنه ابن عمدتهم لم يكمل تعليمه، فخيروه بعد أن اشتد عوده بكارت توصية من النحاس باشا للعمل بالري أو السكك الحديدية، فاختار جدِّي له الأولى، وما لبث أبي أن هاجر في دورة عكسية مع قنوات الري للشرقية ليتزوج منها، وتكون جزيرة مطاوع محطته الأخيرة.
وقيل لي أن عائلة النحاس باشا تمت لعائلتنا بصلة، وزينب الوكيل كانت تحرص كل عام علي إهداء جدِّي هدية من الملبوسات الصوفية المعتبرة، وأن عائلتي كلها كانت وفدية قلبًا وقالبًا في الماضي إلي أن جاءت الثورة، لقد رأيت أبي معجبًا بعبد الناصر إعجابًا عظيمًا، ربما لكونه أحد عماله الفقراء الذين جنوا كثيرًا من المكاسب في عهده، وكان ينتظر خطاباته ويحرص علي سماعها في المناسبات القومية.
* * *
في الماضي، كنت كلما شعرت بالهم أو التوتر أهرب إلي الجزيرة، هناك ألتقي بأصدقاء الصبا، وأستعيد نفسي الضائعة من توهتها، وأغسل روحي القلقة بالأمان والطمأنينة.
لكنني في السنوات الأخيرة تراجعتْ مرات رجوعي إليها.
لقد تغيرت الجزيرة كثيرًا، لقد تبدلتْ، تلطَّخ وجهها الصبوح البريء الذي أعرفه بالأصباغ. عندما أشد الرحال إليها، وأركب نفس العربات القديمة، لا أعرف الوجوه التي حولي، رغم أنهم ناسي وأهل قريتي دون شك.. وهناك، عندما أمضي في شوارعها التي ازدحمت بالناس، لا تلقاني بنفس الحميمية، فأتوه وأنا خائف منها وعليها، وأحسُّ إحساسًا غريبًا إنها نسيتني، وأنها تنكرني عن عمد، وإنها تغمز لي بالعين والحاجب وهي تدير وجهها صوب البعــــيد.
تفر الدموع من عينيَّ، تسيل علي وجنتيَّ، وأبحثُ عن كفٍ حنونة ككف أمي، تكفكف دموعي.. فلا أجـــــــــد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاقوس في 12نوفمبر2009م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق